دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣١٤ - التقسيم الثاني باعتبار الدليل الدال عليه
من حيث مناط الحكم. و الشكّ في بقاء المستصحب و عدمه لا بدّ و أن يرجع إلى الشكّ في موضوع الحكم، لأنّ الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن و القبح كلّها راجعة إلى قيود فعل المكلّف الذي هو الموضوع. فالشكّ في حكم العقل حتى لأجل وجود الرافع لا يكون إلّا للشكّ في موضوعه، و الموضوع لا بدّ أن يكون محرزا معلوم البقاء في الاستصحاب، كما سيجيء.
و بيان ذلك: إنّ محلّ الكلام، كما يظهر من كلام المصنّف (قدّس سرّه) في هذا المقام هو استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي بقاعدة الملازمة بين حكم العقل و الشرع لا استصحاب نفس الحكم العقلي، إذ الاستصحاب في نفس الأحكام العقليّة ممّا لا يعقل أصلا؛ لأنّ الاستصحاب إنّما يجري في مورد الشكّ، و لا يعقل الشكّ في مورد حكم العقل؛ لأنّ العقل الحاكم لا يحكم بشيء إلّا بعد تحقّق الموضوع بجميع ما يعتبر فيه من وجود الأجزاء و الشرائط و عدم الموانع، فيجب أن تكون قيود الموضوع معلومة مفصّلة لدى العقل؛ لأنّ العقل لا يحكم فيما إذا انتفى واحد منها، و حينئذ فلا يعقل الشكّ في حكم العقل، لأنّ الشكّ فيه ليس إلّا من حيث الشكّ في عنوان الموضوع، فإنّ حكمه بحسن عنوان أو قبحه، ممّا لا يتغيّر مع حفظ ذاك العنوان، و مع الشكّ في تبدّل ذاك العنوان لا يكون للعقل حكم أصلا، لما مرّ من أنّه لا يحكم إلّا بعد إحراز الموضوع بجميع ما يعتبر فيه من القيود.
و الحاصل أنّ حكم العقل؛ إمّا مقطوع الثبوت أو الانتفاء، و لا يعقل فيه الشكّ لكي يجري الاستصحاب فيه.
و إنّما الكلام في جريانه في الحكم الشرعي التابع للحكم العقلي، و الحقّ عند المصنّف (قدّس سرّه) هو عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي، و ذلك لانتفاء موضوع الاستصحاب فيه، لأنّ الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي متعلّق بعين العنوان الذي تعلّق به حكم العقل، و حينئذ لا يخلو العنوان المذكور عن أحد احتمالين، لأنّه إمّا سيكون العنوان محفوظا، أو مبدلا، و على التقديرين لا مجال للاستصحاب.
أمّا على الأوّل فلانتفاء الشكّ، و أمّا على الثاني، فلانتفاء الموضوع.
و بالجملة، إنّ المصنّف (قدّس سرّه) قد فصّل بين الأحكام الشرعيّة المستفادة من الدليل الشرعي