دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ٢٢٢ - الوضع التَّعْيِينِيّ والوضع التَّعَيُّنِيّ
الجواب:
القائلون بالاعتبار أو التعهّد لا يمكن أن يعطوا تفسيرا للوضع التعيّني لأن الاستعمال يكشف عن سبق الوضع، فالاستعمال يكشف عن الاعتبار وعن التّعهّد، والاستعمال لا يولِّد الاعتبار ولا التعهد، فالاستعمال يكون نتيجة ومعلولا للاعتبار والتعهد ولا يكون سببا وعلة لهما، فالاستعمال يكشف عن تكوّن وضع في رتبة سابقة، فيكون الاستعمال في رتبة لاحقة متأخرة عن الاعتبار والتعهد، فالاستعمال متأخر رتبة عن الاعتبار والتعهد، والمطلوب أن تكون كثرة الاستعمال قبل الاعتبار والتعهد حتى تؤدي إلى تكوّن الاعتبار أو التعهد، ولا يمكن أن تُنْتِج كثرة الاستعمال وضعا جديدا بناء على نظريتي الاعتبار والتعهد إذ لولا الاعتبار أو التعهد لما وجدت علاقة بين اللفظ والمعنى، ولا يوجد أثر لكثرة الاستعمال في إنشاء العلاقة بين اللفظ والمعنى، وكثرة الاستعمال تكشف عن وجود الاعتبار أو التعهد في رتبة سابقة ولا تؤدي إلى إيجاد الاعتبار والتعهد، فالوضع على مسلكي الاعتبار والتعهد يؤدي إلى كثرة الاستعمال، وأما كثرة الاستعمال فلا تؤدي إلى الوضع بناء على هذين المسلكين، فعلى أساس النظريتين ينشأ الوضع من الاعتبار أو التعهد ولا يمكن أن ينشأ من كثرة الاستعمال [١]، وبناء على المسلكين يكون الفرق بين الوضع التعييني والوضع التعيني في نوعية الكاشف عن الوضع لا في نوعية الوضع.
[١] يمكن أن يقال إن كثرة الاستعمال يمكن أن تؤدي إلى الاعتبار، ولكن ليس هو الاعتبار الذي هو اعتبار المعتبِر وهو الشخص الذي يقول:" اعتبرت هذا اللفظ لهذا المعنى"، ثم تترتب كثرة الاستعمال على هذا الاعتبار الذي يعتبره هذا الشخص، بل هو اعتبار من نوع آخر يتّضح مما يلي: كثرة الاستعمال تعني أن شخصا يستعمل لفظا في معنى معيّن، ثم يأتي شخص ثان ويستعمل نفس اللفظ في المعنى السابق، ثم يأتي شخص ثالث ويستعمل نفس اللفظ في المعنى السابق، وهكذا يستمر الاستعمال من قبل الناس إلى أن يحصل وضع اللفظ للمعنى، وهذا الوضع نوع آخر من الاعتبار حيث حصل اعتبار هذا اللفظ للمعنى، فالاعتبار له نوعان كما تبيّن، النوع الأول هو اعتبارُ شخصٍ اللفظَ للمعنى، والنوع الثاني هو اعتبارُ الناسِ اللفظَ للمعنى مما يؤدي إلى الوضع بسبب كثرة الاستعمال كما اتّضح من الشرح السابق، وهكذا يتّضح أن الاعتبار يمكن أن ينشأ من كثرة الاستعمال.