دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ١٩٥ - ردّ السيد الشهيد على المسلك الثاني
النفساني من الواضع، فالواضع يتعهّد بأن لا يستعمل هذا اللفظ إلا في هذا المعنى، وكل متكلم يتعهد أن لا يأتي بهذا اللفظ إلا عند قصد تفهيم هذا المعنى، فإذا قصد الواضع المعنى فإنه يأتي بهذا اللفظ الدال على هذا المعنى وغير الدال على معنى آخر، وقصد تفهيم المعنى هو المبرِّر للوضع والسّرّ في العلاقة الواقعية بين اللفظ والمعنى، فهذه العلاقة تنشأ من واقع النفس، ولولا قصد تفهيم المعنى لما وُجِدَ الوضع، وغرض الواضع هو إبراز مقاصده، ولولا هذا الغرض لما وضع ألفاظا دالّة على المعاني كما أن الأخرس يقوم بتفهيم مقاصده عن طريق الإشارات، وبالتعهد تنشأ ملازمة بين الإتيان باللفظ وقصد تفهيم المعنى.
مثلا يتعهّد أن لا يستعمل لفظ" الأسد" إلا في معنى" الحيوان المفترس بالصفات الخاصة"، ويتعهّد أن لا يستعمل لفظ" الماء" إلا في معنى" السائل الخاص"، وكل من يأتي بهذا اللفظ فإنه يوجد عنده هذا التعهّد، ومن هذا التعهّد تنشأ علاقة ملازمة وعلاقة سببية بين اللفظ والمعنى، فالسببية نشأت من التعهّد، فإذا استعملت هذا اللفظ فإنه يدل على هذا المعنى فقط، واللفظ الثاني يدل على المعنى الثاني فقط، فهذا التعهد هو الذي ينشئ علاقة السببية لا أنه اعتبار فقط، فالناس يتعهّدون فيما بينهم أن يستعملوا الألفاظ في المعاني المعيّنة فقط وفقط، وقصد المتكلم إخطار المعنى في الذهن لا تكون ناشئة من حال المتكلم وإنما من الوضع لأن الوضع هو التعهد باستعمال اللفظ بقصد إخطار المعنى في ذهن السامع.