دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ١٩٠ - ردّ السيد الشهيد على المسلك الثاني
إن مجرّد اعتبار كون شيء سببا أو أداة أو علامة لشيء لا يحقّق السببية الواقعية، فلو كانت العلاقة بين اللفظ والمعنى اعتبارية محضة فإننا إذا قطعنا النظر عن الاعتبار فإن المفروض أن العلاقة تنتهي، ولكننا نرى أن العلاقة لا تنتهي بعد رفع اليد عن الاعتبار، الآن ضع أي لفظ لأي معنى تجد أنه لا تنشأ علاقة السببية بينهما.
والنتيجة أنه لا بدّ أن يكون هناك شيء آخر غير مجرد الوضع والاعتبار، ولا يكفي لحل المشكلة تفسير علاقة اللفظ بالمعنى على أساس عملية الوضع التي يقوم بها مؤسّس اللغة، ونحتاج إلى حلّ أعمق وأدقّ لتفسير حصول السببية بين اللفظ والمعنى ونشوء العلاقة الواقعية بين اللفظ والمعنى من الاعتبار المذكور لأن السببية لا تنشأ من الاعتبار فقط، بل لا بدّ أن يكون هناك شيء إضافي على الاعتبار حتى تنشأ السببية بين اللفظ والمعنى.
إن مسلك الاعتبار أقصى ما يمكن أن يفسّره هو أن الوضع نشأ من اعتبار الواضع، ولكن هذا المسلك لا يستطيع تفسير كيفيّة تحقّق العلاقة الواقعيّة بين اللفظ والمعنى، وهذه العلاقة الواقعية لا تنتهي بانتهاء الاعتبار، ولو قلنا بأن المنشأ في حصول العلاقة بين اللفظ والمعنى هو الاعتبار، ولكن ذلك لا يفسّر لنا سرّ بقاء العلاقة حتى بعد رفع اليد عن هذا الاعتبار.
لذلك لا بدّ من البحث عن مسلك آخر يفسّر حقيقة علاقة السببية الواقعية بين اللفظ والمعنى، ولا بدّ أن نفهم محتوى عمليّة الوضع لكي