البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٠ - سنة احدى عشرة من الهجرة
ابن اليمان و أبو سعيد الخدريّ و أنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذ أقبل فتى من الأنصار فسلم على رسول اللَّه ثم جلس.
فقال: يا رسول اللَّه أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم خلقا. قال فأى المؤمنين أكيس؟
قال: أكثرهم ذكرا للموت و أحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل به أولئك الأكياس، ثم سكت الفتى. و أقبل علينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا نزلن بكم- و أعوذ باللَّه أن تدركوهن- أنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يغلبوا عليها إلا ظهر فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلا أخذوا بالسنين و شدة المؤنة و جور السلطان، و لم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلو لا البهائم ما مطروا، و ما نقضوا عهد اللَّه و عهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم، و ما لم يحكم أئمتهم بكتاب اللَّه و يجبروا فيما أنزل اللَّه إلا جعل اللَّه بأسهم بينهم.
قال: ثم أمر عبد الرحمن ابن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها فأصبح و قد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم نقضها ثم عمّمه بها و أرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك. ثم قال: هكذا يا ابن عوف فاعتم فإنه أحسن و أعرف، ثم أمر بلالا أن يدفع اليه اللواء فدفعه اليه فحمد اللَّه و صلى على نفسه ثم قال: خذه يا ابن عوف اغزوا جميعا في سبيل اللَّه فقاتلوا من كفر باللَّه لا تغلوا و لا تغدروا و لا تمثلوا و لا تقتلوا وليدا فهذا عهد اللَّه و سيرة نبيكم فيكم. فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء. قال: ابن هشام فخرج الى دومة الجندل، بعث أبى عبيدة بن الجراح و كانوا قريبا من ثلاثمائة راكب الى سيف البحر و زوده (عليه السلام) جرابا من تمر و [فيها] قصة العنبر و هي الحوت العظيم الّذي دسره البحر [١] و أكلهم كلهم منه قريبا من شهر حتى سمنوا و تزودوا منه و شائق أي شرائح حتى رجعوا الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأطعموه منه فأكل منه كما تقدم بذلك الحديث. قال: ابن هشام و مما لم يذكر ابن إسحاق من البعوث- يعنى ها هنا-، بعث عمرو بن أمية الضمريّ لقتل أبى سفيان صخر بن حرب بعد مقتل خبيب بن عدي و أصحابه، فكان من أمره ما قدمناه و كان مع عمرو بن أمية جبار بن صخر و لم يتفق لهما قتل أبى سفيان بل قتلا رجلا غيره و أنزلا خبيبا عن جذعه، و بعث سالم بن عمير أحد البكاءين الى أبى عفك أحد بنى عمرو بن عوف و كان قد نجم نفاقه حين قتل رسول اللَّه الحارث بن سويد بن الصامت كما تقدم. فقال يرثيه و يذم- قبحه اللَّه- الدخول في الدين:
لقد عشت دهرا و ما أن أرى* * * من الناس دارا و لا مجمعا
أبر عهودا و أوفى لمن* * * يعاقد فيهم إذا ما دعا
من أولاد قيلة في جمعهم* * * يهد [٢] الجبال و لم يخضعا
[١] دسره البحر أي دفعه.
[٢] في المصرية: يميد.