البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧ - بعثه (عليه السلام) خالد بن الوليد الى أكيدر دومة
من محمد النبي رسول اللَّه لأهل جرباء و أذرح، أنهم آمنون بأمان اللَّه و أمان محمد، و أن عليهم مائة دينار في كل رجب، و مائة أوقية طيبة و أن اللَّه عليهم كفيل بالنصح و الإحسان إلى المسلمين، و من لجأ اليهم من المسلمين.
قال و أعطى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم، قال فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد اللَّه بن محمد بثلاثمائة دينار.
بعثه (عليه السلام) خالد بن الوليد الى أكيدر دومة
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا خالد بن الوليد فبعثه الى أكيدر دومة، و هو أكيدر بن عبد الملك رجل من بنى كنانة [١] كان ملكا عليها و كان نصرانيا، و
قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لخالد «إنك ستجده يصيد البقر»
فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين و في ليلة مقمرة صائفة و هو على سطح له و معه امرأته. و باتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته هل رأيت مثل هذا قط؟ قال لا و اللَّه، قالت فمن يترك هذا؟ قال لا أحد فنزل فامر بفرسه فأسرج له و ركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان فركب و خرجوا معه بمطاردهم، فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخذته و قتلوا أخاه و كان عليه قباء من ديباج مخصوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل قدومه عليه،
قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس بن مالك قال: رأيت قباء أ كيدر حين قدم به على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم و يتعجبون منه فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أ تعجبون من هذا [فو الّذي نفسي بيده] لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».
قال ابن إسحاق: ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حقن له دمه فصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته، فقال رجل من بنى طيِّئ يقال له بجير بن بجرة في ذلك:
تبارك سائق البقرات إني* * * رأيت اللَّه يهدى كل هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوك* * * فانا قد أمرنا بالجهاد
و قد حكى البيهقي أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لهذا الشاعر «لا يفضض اللَّه فاك»
فأتت عليه سبعون سنة ما تحرك له فيها ضرس و لا سن. و قد روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة و عشرين فارسا إلى أ كيدر دومة فذكر نحو ما تقدم إلا أنه ذكر أنه ما كره حتى أنزله من الحصن، و ذكر أنه قدم مع أ كيدر إلى رسول اللَّه ثمانمائة من السبي، و ألف بعير، و أربعمائة درع، و أربعمائة رمح، و ذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة [٢]
[١] كذا في الأصلين و الّذي في ابن هشام و التيمورية: رجل من كندة.
[٢] في الأصل يحنا.