البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٦ - قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان بإسلامه على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أظن ذلك إما بتبوك أو بعدها
نريد المدنية نمتار من تمرها فلما دنونا من حيطانها و نخلها قلت لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه إذا رجل في طمرين فسلم علينا و قال من أين أقبل القوم قلنا من الرَّبَذَة قال و أين تريدون قلنا نريد هذه المدينة. قال ما حاجتكم منها قلنا نمتار من تمرها قال و معنا ظعينة لنا و معنا جمل أحمر مخطوم فقال:
أ تبيعونى جملكم هذا قلنا نعم! بكذا و كذا صاعا من تمر قال فما استوضعنا مما قلنا شيئا و أخذ بخطام الجمل و انطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة و نخلها قلنا ما صنعنا و اللَّه ما بعنا جملنا ممن يعرف و لا أخذنا له ثمنا قال تقول المرأة التي معنا و اللَّه لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر أنا ضامنة لثمن جملكم، إذ أقبل الرجل فقال [أنا] رسول اللَّه إليكم هذا تمركم فكلوا و اشبعوا و اكتالوا و استوفوا، فأكلنا حتى شبعنا و اكتلنا فاستوفينا ثم دخلنا المدينة فدخلنا المسجد فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس فأدركنا من خطبته و هو يقول: «تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى، أمك و أباك و أختك و أخاك و أدناك أدناك، إذ أقبل رجل من بنى يربوع أو قال رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية. فقال: «إن أبا لا يجنى على ولد ثلاث مرات [١]». و قد روى النسائي فضل الصدقة منه عن يوسف بن عيسى عن الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد بن أبى الجعد عن جامع بن شداد عن طارق بن عبد اللَّه المحاربي ببعضه. و رواه الحافظ البيهقي أيضا عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن يزيد ابن زياد عن جامع بن طارق بطوله كما تقدم و قال فيه فقالت: الظعينة لا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه.
قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان بإسلامه على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أظن ذلك إما بتبوك أو بعدها
قال ابن إسحاق و بعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي ثم النفاثى إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رسولا بإسلامه و اهدى له بغلة بيضاء، و كان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب و كان منزله معان و ما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذه فحبسوه عندهم. فقال في محبسه ذلك:
طرقت سليمى موهنا أصحابى* * * و الروم بين الباب و القروان
صد الخيال و ساءه ما قد رأى* * * و هممت أن أغفى و قد أبكانى
[١] كذا في المصرية و في الحلبية على والد.