البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٤ - باب صفة خروجه (عليه السلام) من المدينة إلى مكة للحج
عن أبى سعيد. قال: حج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه مشاة من المدينة الى مكة قد ربطوا أوساطهم و مشيهم خلط الهرولة. فإنه حديث منكر ضعيف الاسناد و حمزة بن حبيب الزيات ضعيف و شيخه متروك الحديث. و قد قال البزار لا يروى إلا من هذا الوجه و إن كان اسناده حسنا عندنا، و معناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث لأنه (عليه السلام) إنما حج حجة واحدة و كان راكبا و بعض أصحابه مشاة.
قلت: و لم يعتمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في شيء من عمره ماشيا لا في الحديبيّة و لا في القضاء و لا الجعرانة و لا في حجة الوداع، و أحواله (عليه السلام) أشهر و أعرف من أن تخفى على الناس بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله و اللَّه أعلم.
فصل: تقدم أنه (عليه السلام) صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم ركب منها إلى الحليفة و هي وادي العقيق فصلى بها العصر ركعتين، فدل على انه جاء الحليفة نهارا في وقت العصر فصلى بها العصر قصرا و هي من المدينة على ثلاثة أميال ثم صلى بها المغرب و العشاء و بات بها حتى أصبح فصلى بأصحابه و أخبرهم انه جاءه الوحي من الليل بما يعتمده في الإحرام كما قال الامام احمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن عبد اللَّه بن عمر عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أنه أتى في المعرس من ذي الحليفة فقيل له إنك ببطحاء مباركة. و أخرجاه في الصحيحين من حديث موسى بن عقبة به و
قال البخاري: حدثنا الحميدي ثنا الوليد و بشر بن بكر. قالا: ثنا الأوزاعي ثنا يحيى حدثني عكرمة أنه سمع ابن عباس أنه سمع ابن عمر يقول سمعت رسول اللَّه بوادي العقيق يقول: «أتانى الليلة آت من ربى فقال صل في هذا الوادي المبارك و قل عمرة في حجة»
تفرد به دون مسلم فالظاهر إن أمره (عليه السلام) بالصلاة في وادي العقيق هو أمر بالإقامة به إلى أن يصلى صلاة الظهر لأن الأمر إنما جاءه في الليل و أخبرهم بعد صلاة الصبح فلم يبق إلا صلاة الظهر فامر أن يصليها هنالك و أن يوقع الإحرام بعدها و لهذا قال: أتانى الليلة آت من ربى عز و جل فقال صل في هذا الوادي المبارك و قل عمرة في حجة، و قد احتج به على الأمر بالقران في الحج و هو من أقوى الادلة على ذلك كما سيأتي بيانه قريبا و المقصود أنه (عليه السلام) أمر بالإقامة بوادي العقيق إلى صلاة الظهر و قد امتثل (صلوات اللَّه و سلامه عليه) ذلك فأقام هنالك و طاف على نسائه في تلك الصبيحة و كن تسع نسوة و كلهن خرج معه و لم يزل لك حتى صلى الظهر كما سيأتي في حديث أبى حسان الأعرج عن ابن عباس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلى الظهر بذي الحليفة ثم أشعر بدنته ثم ركب فأهلّ و هو عند مسلم. و هكذا قال الامام احمد حدثنا روح ثنا أشعث- هو ابن عبد الملك عن الحسن عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا شرف البيداء أهلّ. و رواه أبو داود عن احمد بن حنبل و النسائي عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن أشعث بمعناه، و عن احمد بن الأزهر عن محمد بن عبد اللَّه