البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩١ - ذكر إفاضته (عليه السلام) الى البيت العتيق
ذكر إفاضته (عليه السلام) الى البيت العتيق
قال جابر ثم ركب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بنى عبد المطلب و هم يسقون على زمزم. فقال: انزعوا بنى عبد المطلب فلو لا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه.
رواه مسلم ففي هذا السياق ما يدل على أنه (عليه السلام) ركب الى مكة قبل الزوال فطاف بالبيت ثم لما فرغ صلى الظهر هناك. و قال مسلم أيضا أخبرنا محمد بن رافع أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر. أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. و هذا خلاف حديث جابر و كلاهما عند مسلم، فإن عللنا بهما أمكن أن يقال إنه (عليه السلام) صلى الظهر بمكة ثم رجع الى منى فوجد الناس ينتظرونه فصلى بهم و اللَّه أعلم. و رجوعه (عليه السلام) الى منى في وقت الظهر ممكن لأن ذلك الوقت كان صيفا و النهار طويل و إن كان قد صدر منه (عليه السلام) أفعال كثيرة في صدر هذا النهار فإنه دفع فيه من المزدلفة بعد ما أسفر الفجر جدا و لكنه قبل طلوع الشمس، ثم قدم منى فبدأ برمي جمرة العقبة بسبع حصيات. ثم جاء فنحر بيده ثلاثا و ستين بدنة و نحر عليّ بقية المائة، ثم أخذت من كل بدنة بضعة و وضعت في قدر و طبخت حتى نضجت فأكل من ذلك اللحم و شرب من ذلك المرق. و في غبون [١] ذلك حلق رأسه (عليه السلام) و تطيب، فلما فرغ من هذا كله ركب الى البيت و قد خطب (عليه السلام) في هذا اليوم خطبة عظيمة و لست أدرى أ كانت قبل ذهابه الى البيت أو بعد رجوعه منه الى منى فاللَّه أعلم. و القصد أنه ركب الى البيت فطاف به سبعة أطواف راكبا و لم يطف بين الصفا و المروة كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر و عائشة رضى اللَّه عنهما، ثم شرب من ماء زمزم و من نبيذ تمر من ماء زمزم. فهذا كله مما يقوى قول من قال: إنه (عليه السلام) صلى الظهر بمكة كما رواه جابر. و يحتمل أنه رجع الى منى في آخر وقت الظهر فصلى بأصحابه بمنى الظهر أيضا. و هذا هو الّذي أشكل على ابن حزم فلم يدر ما يقول فيه و هو معذور لتعارض الروايات الصحيحة فيه و اللَّه أعلم.
و قال أبو داود ثنا على بن بحر و عبد اللَّه بن سعيد المعنى. قالا: ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: أفاض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع الى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة.
قال: ابن حزم فهذا جابر و عائشة قد اتفقا على أنه (عليه السلام) صلى الظهر يوم النحر بمكة و هما و اللَّه أعلم أضبط لذلك من ابن عمر. كذا قال و ليس بشيء فإن رواية عائشة هذه ليست ناصة أنه
[١] كذا في الأصلين و لعله تصحيف (غضون ذلك) أي في أثناء ذلك.