البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٥ - فصل و أما كتاب الوحي و غيره بين يديه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و رضى عنهم أجمعين
اللَّه عنه بعده تركة عظيمة فأوصى من ذلك بالثلث بعد إخراج ألفى ألف و مائتي ألف دينا، فلما قضى دينه و أخرج ثلث ماله قسم الباقي على ورثته فنال كلّ امرأة من نسائه- و كن أربعا- ألف ألف و مائتا ألف، فمجموع ما ذكرناه مما تركه رضى اللَّه عنه تسعة و خمسين ألف ألف و ثمان مائة ألف [١] و هذا كله من وجوه حل نالها في حياته مما كان يصيبه من الفيء و المغانم، و وجوه متاجر الحلال و ذلك كله بعد إخراج الزكاة في أوقاتها، و الصّلاة البارعة الكثيرة لأربابها في أوقات حاجاتها رضى اللَّه عنه و أرضاه و جعل جنات الفردوس مثواه- و قد فعل- فإنه قد شهد له سيد الأولين و الآخرين و رسول رب العالمين بالجنة، و للَّه الحمد و المنة. و ذكر ابن الأثير في الغابة أنه كان له ألف مملوك يؤدون اليه الخراج، و أنه كان يتصدق بذلك كله. و قال فيه حسان بن ثابت يمدحه و يفضله بذلك:
أقام على عهد النبي و هديه* * * حواريه و القول بالفضل يعدل
أقام على منهاجه و طريقه* * * يوالي ولىّ الحق و الحق أعدل
هو الفارس المشهور و البطل الّذي* * * يصول إذا ما كان يوم محجل
و إن امرأ كانت صفية أمه* * * و من أسد في بيته لمرسل
له من رسول اللَّه قربى قريبة* * * و من نصرة الإسلام مجد مؤثل
فكم كربة ذب الزبير بسيفه* * * عن المصطفى و اللَّه يعطى و يجزل
إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها* * * بأبيض [سياف] الى الموت يرفل
فما مثله فيهم و لا كان قبله* * * و ليس يكون الدهر ما دام يذبل
قد تقدم أنه قتله عمرو بن جرموز التميمي بوادي السباع و هو نائم، و يقال بل قام من آثار النوم و هو دهش فركب و بارزه ابن جرموز، فلما صمم عليه الزبير أنجده صاحباه فضالة و النعر فقتلوه، و أخذ عمرو بن جرموز رأسه و سيفه. فلما دخل بهما على عليّ
قال عليّ رضى اللَّه عنه لما رأى سيف الزبير: إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قال عليّ فيما قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار.
فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه. و الصحيح أنه عمّر بعد عليّ حتى كانت أيام ابن الزبير فاستناب أخاه مصعبا على العراق، فاختفى عمرو بن جوموز خوفا من سطوته أن يقتله بأبيه. فقال مصعب: أبلغوه أنه آمن، أ يحسب أنى أقتله بأبي عبد اللَّه؟ كلا و اللَّه ليسا سواء، و هذا من حلم مصعب و عقله و رياسته. و قد روى الزبير عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحاديث
[١] في التيمورية تسعة و خمسين ألف ألف و مائتا ألف. و قد ذكر ابن سعد في الطبقات أنه ترك ٠٠٠/ ٢٠٠/ ٣٥ درهم و ان دينه بلغ ٠٠٠/ ٢٠٠/ ٢ درهم و أن نساءه الأربع ورثت كل واحدة منهن ٠٠٠/ ١٠٠/ ١ درهم و ذلك بخلاف الأراضي و العقارات!!.