البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٢ - فصل
أجمعين لا يقبل اللَّه منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا، و ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة اللَّه و الملائكة و الناس أجمعين لا يقبل اللَّه منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا».
و هذا الحديث الثابت في الصحيحين و غيرهما عن عليّ رضى اللَّه عنه يرد على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أوصى اليه بالخلافة، و لو كان الأمر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة فإنهم كانوا أطوع للَّه و لرسوله في حياته و بعد وفاته من أن يفتاتوا عليه فيقدموا غير من قدمه و يؤخروا من قدمه بنصه، حاشا و كلا و لما، و من ظن بالصحابة (رضوان اللَّه عليهم) ذلك فقد نسبهم بأجمعهم الى الفجور و التواطؤ على معاندة الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و مضادتهم في حكمه و نصه، و من وصل من الناس الى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام و كفر بإجماع الأئمة الأعلام، و كان إراقة دمه أحل من إراقة المدام. ثم لو كان مع على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه نص فلم لا كان يحتج به على الصحابة على إثبات إمارته عليهم و إمامته لهم، فان لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز و العاجز لا يصلح للامارة و ان كان يقدر و لم يفصله فهو خائن و الخائن الفاسق مسلوب معزول عن الامارة، و ان لم يعلم بوجود النص فهو جاهل، ثم و قد عرفه و علمه من بعده هذا محال و افتراء و جهل و ضلال. و إنما يحسن هذا في أذهان الجهلة الطغام و المغترين من الأنام، يزينه لهم الشيطان بلا دليل و لا برهان، بل بمجرد التحكم و الهذيان و الافك و البهتان، عياذا باللَّه مما هم فيه من التخليط و الخذلان و التخبيط و الكفران، و ملاذا باللَّه بالتمسك بالسنة و القرآن و الوفاة على الإسلام و الايمان، و الموافاة على الثبات و الإيقان و تثقيل الميزان، و النجاة من النيران و الفوز بالجنان انه كريم منان رحيم رحمان.
و في هذا الحديث الثابت في الصحيحين عن على الّذي قدمناه رد على متقولة كثير من الطرقية و القصاص الجهلة في دعواهم ان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أوصى الى عليّ بأشياء كثيرة يسوقونها مطولة، يا عليّ افعل كذا، يا على لا تفعل كذا، يا على من فعل كذا كان كذا و كذا. بألفاظ ركيكة و معاني أكثرها سخيفة و كثير منها صحفية لا تساوى تسويد الصحيفة و اللَّه أعلم.
و قد أورد الحافظ البيهقي من طريق حماد بن عمرو النصيبي- و هو أحد الكذابين الصواغين- عن السري بن خلاد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال: يا على أوصيك بوصية أحفظها فإنك لا تزال بخير ما حفظتها، يا على ان للمؤمن ثلاث علامات الصلاة و الصيام و الزكاة.
قال البيهقي فذكر حديثا طويلا في الرغائب و الآداب و هو حديث موضوع و قد شرطت في أول الكتاب أن لا أخرج فيه حديثا أعلمه موضوعا، ثم روى من طريق حماد بن عمرو هذا عن زيد بن رفيع عن مكحول الشامي. قال: هذا ما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعلىّ بن أبى طالب حين رجع من غزوة حنين و أنزلت عليه سورة النصر. قال البيهقي: فذكر حديثا طويلا في الفتنة و هو أيضا حديث منكر ليس له