البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩ - فصل
دنت راحلتي من راحلة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوّز راحلتي عنه حتى غلبتني عيني في بعض الطريق فزاحمت راحلتي راحلته و رجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله «حس» فقلت يا رسول اللَّه استغفر لي، قال «سر» فجعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يسألنى عمن تخلف عنه من بنى غفار فأخبره به. فقال و هو يسألنى «ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط [١] الذين لا شعر في وجوههم؟» فحدثته بتخلفهم، قال «فما فعل النفر السود الجعاد القصار» قال قلت و اللَّه ما أعرف هؤلاء منا قال «بلى الذين لهم لعم بشبكة شدخ [٢]» فتذكرتهم في بنى غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلّم كانوا حلفاء فينا، فقلت يا رسول اللَّه أولئك رهط من أسلّم حلفاء فينا. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأ نشيطا في سبيل اللَّه، إن أعز أهلي على أن يتخلف عنى المهاجرون و الأنصار و غفار و أسلّم».
قال ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به و أن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم فامر الناس بالمسير من الوادي و صعد هو العقبة و سلكها معه أولئك النفر و قد تلثموا، و أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عمار بن ياسر و حذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة، و حذيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول اللَّه و أبصر حذيفة غضبه فرجع اليهم و معه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس، و أقبل حذيفة حتى أدرك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأمرهما فاسرعا حتى قطعوا العقبة و وقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لحذيفة «هل عرفت هؤلاء القوم؟» قال ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم، ثم قال «علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب؟» قالا لا، فأخبرهما بما كانوا تمالئوا عليه و سماهم لهما و استكتمهما ذلك؟ فقالا يا رسول اللَّه أ فلا تأمر بقتلهم؟ فقال «أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»
و قد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده و هذا هو الأشبه و اللَّه أعلم. و يشهد له قول أبى الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أ ليس فيكم- يعنى أهل الكوفة- صاحب السواد و الوساد- يعنى ابن مسعود- أ ليس فيكم صاحب السر الّذي لا يعلمه غيره- يعنى حذيفة- أ ليس فيكم الّذي أجاره اللَّه من الشيطان على لسان محمد- يعنى عمارا- و روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه أنه قال لحذيفة: أقسمت عليك باللَّه أنا منهم؟ قال لا
[١] الثطاط بالثاء المثلثة جمع ثط و هو الّذي لا لحية له. عن السهيليّ، و في الأصل الشطاط و فسره الخشنيّ بالصغير شعر للحية.
[٢] شبكة شدخ اسم ماء لأسلّم من بنى غفار بالحجاز. عن المعجم.