البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠ - فصل
و لا أبرئ بعدك أحدا- يعنى حتى لا يكون مفشيا سر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)-.
قلت: و قد كانوا أربعة عشر رجلا، و قيل كانوا اثنى عشر رجلا، و ذكر ابن إسحاق أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث اليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بما كان من أمرهم و بما تمالئوا عليه. ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم قال و فيهم أنزل اللَّه عز و جل وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا.
و روى البيهقي من طريق محمد بن مسلمة عن أبى إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبى البختري عن حذيفة بن اليمان قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أقود به و عمار يسوق الناقة- أو أنا أسوق و عمار يقود به- حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر رجلا قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول اللَّه «هل عرفتم القوم؟» قلنا لا يا رسول اللَّه قد كانوا متلثمين و لكنا قد عرفنا الركاب، قال «هؤلاء المنافقون الى يوم القيامة، و هل تدرون ما أرادوا؟» قلنا لا قال «أرادوا أن يزحموا رسول اللَّه في العقبة فيلقوه منها» قلنا يا رسول اللَّه أ و لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال «لا، أكره أن يتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل لقومه، حتى إذا أظهره اللَّه بهم أقبل عليهم يقتلهم» ثم قال «اللَّهمّ ارمهم بالدبيلة» قلنا يا رسول اللَّه و ما الدبيلة؟ قال «هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك».
و في صحيح مسلّم من طريق شعبة عن قتادة عن أبى نضرة عن قيس بن عبادة. قال: قلت لعمار أ رأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر عليّ أ رأي رأيتموه أم شيء عهده إليكم رسول اللَّه؟ فقال: ما عهد إلينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، و لكن
حذيفة أخبرنى عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال «في أصحابى اثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط».
و في رواية من وجه آخر عن قتادة «إن في أمتى أثنى عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم يكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم».
قال الحافظ البيهقي: و روينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر- أو خمسة عشر- و أشهد باللَّه أن اثنى عشر منهم حرب للَّه و لرسوله في الحياة الدنيا و يوم يقوم الاشهاد، و عذّر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادي و لا علمنا بما أراد.
و هذا الحديث قد رواه الامام احمد في مسندة قال حدثنا يزيد- هو ابن هارون- أخبرنا الوليد بن عبد اللَّه بن جميع عن أبى الطفيل. قال: لما أقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى إن رسول اللَّه آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقوده حذيفة و يسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا و هو يسوق برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لحذيفة «قد قد» حتى هبط رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الوادي، فلما هبط و رجع عمار