البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٢ - الواردين إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
الحارث، و قيس بن عاصم أخو بنى سعد في وفد عظيم من بنى تميم. قال ابن إسحاق: و معهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، و قد كان الأقرع بن حابس و عيينة شهدا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتح مكة و حنين و الطائف، فلما قدم وفد بنى تميم كانا معهم،
و لما دخلوا المسجد نادوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من صياحهم، فخرج اليهم فقالوا يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا و خطيبنا. قال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل»
فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد للَّه الّذي له علينا الفضل و المن و هو أهله الّذي جعلنا ملوكا و وهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، و جعلنا أعزة أهل المشرق و أكثره عددا و أيسره عدة. فمن مثلنا في الناس، أ لسنا برءوس الناس و أولى فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، و إنا لو نشاء لا كثرنا الكلام و لكن نخشى [١] من الإكثار فيما أعطانا، و إنا نعرف [بذلك] أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، و أمر أفضل من أمرنا، ثم جلس.
فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لثابت بن قيس بن شماس أخى بنى الحارث بن الخزرج: «قم فأجب الرجل في خطبته»
فقام ثابت فقال: الحمد للَّه الّذي السموات و الأرض خلقه، قضى فيهن أمره، و وسع كرسيه علمه و لم يك شيء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا و اصطفى من خيرته رسولا أكرمه نسبا و أصدقه حديثا و أفضله حسبا، فانزل عليه كتابا و ائتمنه على خلقه فكان خيرة [٢] اللَّه من العالمين، ثم دعا الناس إلى الايمان به فآمن برسول اللَّه المهاجرون من قومه و ذوى رحمه أكرم الناس أحسابا، و أحسن الناس وجوها، و خير الناس فعالا ثم كان أول الخلق إجابة و استجاب للَّه حين دعاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحن، فنحن أنصار اللَّه و وزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن باللَّه و رسوله منع ماله و دمه، و من كفر جاهدناه في اللَّه أبدا و كان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا و استغفر اللَّه لي و لكم و للمؤمنين و المؤمنات و السلام عليكم.
فقام الزبرقان بن بدر فقال:
نحن الكرام فلا حىّ يعادلنا* * * منّا الملوك و فينا تنصب البيع
و كم قسرنا من الأحياء كلهم* * * عند النهاب و فضل العز يتبع
و نحن يطعم عند القحط مطعمنا* * * من الشواء إذا لم يؤنس الفزع
بما ترى الناس تأتينا سراتهم* * * من كل أرض هويا ثم نصطنع
فننحر الكوم عبطا في أرومتنا* * * للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
فما ترانا إلى حي نفاخرهم* * * إلا استفادوا و كانوا الرأس تقتطع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه* * * فيرجع القوم و الاخبار تستمع
[١] كذا في الأصلين، و في ابن هشام: و لكنا نحيا.
[٢] في ابن هشام: من خير خلقه.