البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٤ - فصل في الآيات و الأحاديث المنذرة بوفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كيف ابتدئ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمرضه الّذي مات فيه
و كرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول، فكان أول ما ابتدئ به رسول اللَّه من ذلك فيما ذكر لي أنه خرج الى بقيع الغرقد من جوف الليل فاستغفر لهم ثم رجع الى أهله فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك.
قال: ابن إسحاق و حدثني عبد اللَّه بن جعفر عن عبيد بن جبر مولى الحكم عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن أبى مويهبة مولى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال بعثني رسول اللَّه من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن استغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معى فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم. قال: السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها. الآخرة شر من الأولى، ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا و الخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك و بين لقاء ربى و الجنة. قال قلت: بأبي أنت و أمى فخذ مفاتيح خزائن الدنيا و الخلد فيها ثم الجنة. قال: لا و اللَّه يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربى و الجنة، ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف فبدئ برسول اللَّه وجعه الّذي قبضه اللَّه فيه لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب. و إنما رواه احمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن إسحاق به.
و قال الامام احمد ثنا أبو النضر ثنا الحكم ابن فضيل ثنا يعلى بن عطاء عن عبيد بن جبر عن أبى مويهبة. قال: أمر رسول اللَّه أن يصلى على أهل البقيع فصلى عليهم ثلاث مرات فلما كانت الثالثة. قال: يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي. قال فركب و مشيت حتى انتهى اليهم فنزل عن دابته و أمسكت الدابة فوقف. أو قال- قام عليهم- فقال:
- ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا، الآخرة أشد من الأولى فليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس. ثم رجع فقال: يا أبا مويهبة إني أعطيت. أو قال: خيرت بين مفاتيح ما يفتح على أمتى من بعدي و الجنة أو لقاء ربى. قال فقلت: بأبي أنت و أمى فاخترنا.
قال: لأن ترد على عقبها ما شاء اللَّه فاخترت لقاء ربى
فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض
و قال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه. قال قال: رسول اللَّه نصرت بالرعب و أعطيت الخزائن و خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتى و بين التعجيل فاخترت التعجيل.
قال:
البيهقي و هذا مرسل و هو شاهد لحديث أبى مويهبة.
قال ابن إسحاق و حدثني يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن مسعود عن عائشة. قالت: رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من البقيع فوجدني و أنا أجد صداعا في رأسي و أنا أقول وا رأساه. فقال بل أنا و اللَّه يا عائشة وا رأساه قالت: ثم قال: و ما ضرك لومت قبلي فقمت عليك و كفنتك و صليت عليك و دفنتك.
قالت قلت: و اللَّه لكأنّي بك لو فعلت ذلك لقد رجعت الى بيتي فاعرست فيه ببعض نسائك.
قالت: فتبسم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و نام به وجعه و هو يدور على نسائه حتى استعز به في بيت ميمونة فدعا