البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٩ - باب بيان الموضع الّذي أهلّ منه (عليه السلام) و اختلاف الناقلين لذلك و ترجيح الحق في ذلك ذكر من قال إنه (عليه السلام) أحرم من المسجد الّذي بذي الحليفة بعد الصلاة
عن ابن عمر. قال: أهل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين استوت به راحلته قائمة. و قد رواه مسلم و النسائي من حديث ابن جريج به. و قال مسلم حدثنا ابو بكر بن ابى شيبة ثنا على بن مسهر عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر، قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا وضع رجله في الغرز و انبعثت به راحلته قائمة أهلّ من ذي الحليفة. انفرد به مسلم من هذا الوجه و أخرجاه من وجه آخر عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عنه. ثم قال البخاري باب الإهلال مستقبل القبلة قال ابو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن نافع. قال: كان ابن عمر إذ صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ثم يلبى حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، و زعم ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعل ذلك ثم قال تابعه إسماعيل عن أيوب في الغسل. و قد علق البخاري أيضا هذا الحديث في كتاب الحج عن محمد بن عيسى عن حماد بن زيد و أسنده فيه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن إسماعيل هو ابن علية. و رواه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل و عن أبى الربيع الزهراني و غيره عن حماد بن زيد ثلاثتهم عن أيوب عن أبى تميمة السختياني به. و رواه أبو داود عن احمد بن حنبل عن إسماعيل بن علية به. ثم قال البخاري حدثنا سليمان أبو الربيع ثنا فليح عن نافع قال: كان ابن عمر إذا أراد الخروج إلى مكة ادّهن بدهن ليس له رائحة طيبة ثم يأتى مسجد ذي الحليفة فيصلي ثم يركب فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال هكذا رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يفعل. تفرد به البخاري من هذا الوجه. و روى مسلم عن قتيبة عن حاتم بن إسماعيل عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فيها و اللَّه ما أهلّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره.
و هذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الأولى و هذه الروايات عنه، و هو أن الإحرام كان من عند المسجد و لكن بعد ما ركب راحلته و استوت به على البيداء يعنى الأرض و ذلك قبل أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء، ثم قال البخاري في موضع آخر حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمي ثنا فضيل ابن سليمان ثنا موسى بن عقبة حدثني كريب عن عبد اللَّه بن عباس قال: انطلق النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من المدينة بعد ما ترجل و ادّهن و لبس إزاره و رداءه هو و أصحابه و لم ينه عن شيء من الأردية و الأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد، فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهلّ هو و أصحابه و قلد بدنه و ذلك لخمس بقين من ذي الحجة. فطاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و لم يحل من أجل بدنه لانه قلدها، لم تزل بأعلى مكة عند الحجون و هو مهل بالحج و لم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة و أمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت و بين الصفا و المروة ثم يقصروا من رءوسهم ثم يحلوا، و ذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، و من كانت معه امرأته فهي له حلال