البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٢ - باب
يبكى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):
أرقت فبات ليلى لا يزول* * * و ليل أخى المصيبة فيه طول
و أسعدنى البكاء و ذاك فيما* * * أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا و جلت* * * عشية قيل قد قبض الرسول
و أضحت أرضنا ممّا عراها* * * تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي و التنزيل فينا* * * يروح به و يغدو جبرئيل
و ذاك أحق ما سالت عليه* * * نفوس الناس أو كربت [١] تسيل
نبي كان يجلو الشك عنا* * * بما يوحى اليه و ما يقول
و يهدينا فلا تخشى ضلالا* * * علينا و الرسول لنا دليل
أ فاطم إن جزعت فذاك عذر* * * و إن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كل قبر* * * و فيه سيد الناس الرسول
باب
بيان أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يترك دينارا و لا درهما و لا عبدا و لا أمة و لا شاة و لا بعيرا و لا شيئا يورث عنه، بل أرضا جعلها كلها صدقة للَّه عز و جل، فان الدنيا بحذافيرها كانت أحقر عنده- كما هي عند اللَّه- من أن يسعى لها أو يتركها بعده ميراثا (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و على إخوانه من النبيين و المرسلين و سلّم تسليما كثيرا دائما الى يوم الدين.
قال البخاري: حدثنا قتيبة ثنا أبو الأحوص عن أبى إسحاق عن عمرو بن الحارث. قال:
ما ترك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دينارا و لا درهما و لا عبدا و لا أمة إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، و سلاحه، و أرضا جعلها لابن السبيل صدقة. انفرد به البخاري دون ميسلم فرواه في أماكن من صحيحه من طرق متعددة عن أبى الأحوص و سفيان الثوري و زهير بن معاوية، و رواه الترمذي من حديث إسرائيل و النسائي أيضا من حديث يونس بن أبى إسحاق كلهم عن أبى إسحاق عمرو بن عبد اللَّه السبيعي عن عمرو بن الحارث بن المصطلق بن أبى ضرار أخى جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضى اللَّه عنهما به. و قد رواه الامام احمد: حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش و ابن نمير عن الأعمش عن شقيق عن مسروق عن عائشة. قالت: ما ترك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دينارا و لا درهما و لا شاة و لا بعيرا و لا أوصى بشيء. و هكذا رواه ميسلم منفردا به عن البخاري و أبو داود و النسائي و ابن ماجة من طرق متعددة
[١] كذا رواية السهيليّ و في الأصل: كادت تسيل و لعلها أقرب للمعنى.