البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - باب
أنفقه في سبيل اللَّه، أموت يوم أموت و عندي منه ديناران إلا أن أرصدهما لدين».
قال فمات فما ترك دينارا و لا درهما و لا عبدا و لا وليدة، فترك درعه رهنا عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير و قد روى آخره ابن ماجة عن عبد اللَّه بن معاوية الجمحيّ عن ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب العبديّ الكوفي به. و لأوله شاهد في الصحيح من حديث أبى ذر رضى اللَّه عنه.
و قد قال الامام احمد حدثنا عبد الصمد و أبو سعيد و عفان. قالوا: حدثنا ثابت- هو ابن يزيد- ثنا هلال- هو ابن خباب- عن عكرمة عن ابن عباس. أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دخل عليه عمر و هو على حصير قد أثر في جنبه. فقال: يا نبي اللَّه لو اتخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال: «ما لي و للدنيا، ما مثلي و مثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح و تركها».
تفرد به احمد و إسناده جيد. و له شاهد من حديث ابن عباس عن عمر في المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قصة الإيلاء. و سيأتي الحديث مع غيره مما شاكله في بيان زهده (عليه السلام) و تركه الدنيا، و إعراضه عنها، و اطراحه لها، و هو مما يدل على ما قلناه من أنه (عليه السلام) لم تكن الدنيا عنده ببال و قال الامام احمد: حدثنا سفيان ثنا عبد العزيز بن رفيع. قال: دخلت أنا و شداد بن معقل على ابن عباس فقال ابن عباس: ما ترك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلا ما بين هذين اللوحين. قال و دخلنا على محمد بن على فقال مثل ذلك. و هكذا رواه البخاري عن قتيبة عن سفيان بن عيينة به. و قال البخاري حدثنا أبو نعيم ثنا مالك بن مغول عن طلحة قال سألت عبد اللَّه بن أبى أوفى أ أوصى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقال لا. فقلت كيف كتب على الناس الوصية، أو أمروا بها؟ قال أوصى بكتاب اللَّه عز و جل. و قد رواه البخاري أيضا و مسلم و أهل السنن إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به.
و قال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول.
تنبيه: قد ورد أحاديث كثيرة سنوردها قريبا بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختص بها (صلوات اللَّه و سلامه عليه) في حياته من دور و مساكن لنسائه و إماء و عبيد و خيول و إبل و غنم و سلاح و بغلة و حمار و ثياب و أثاث و خاتم و غير ذلك مما سنوضحه بطرقه و دلائله، فلعله (عليه السلام) تصدق بكثير منها في حياته منجزا، و أعتق من أعتق من إمائه و عبيده، و أرصد ما أرصده من أمتعته، مع ما خصه اللَّه به من الأرضين من بنى النضير و خيبر و فدك في مصالح المسلمين على ما سنبينه إن شاء اللَّه، إلا أنه لم يخلف من ذلك شيئا يورث عنه قطعا لما سنذكره قريبا و باللَّه المستعان.