البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١ - قصة مسجد الضرار
قال «يا عمار هل عرفت القوم؟» قال قد عرفت عامة الرواحل و القوم متلثمون قال «هل تدري ما أرادوا؟» قال اللَّه و رسوله أعلم، قال «أرادوا أن ينفروا برسول اللَّه فيطرحوه»
قال فسارّ عمار رجلا من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: نشدتك باللَّه كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال أربعة عشر رجلا، فقال إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعذر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منهم ثلاثة قالوا ما سمعنا منادى رسول اللَّه و ما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب للَّه و لرسوله في الحياة الدنيا و يوم يقوم الاشهاد.
قصة مسجد الضرار
قال اللَّه تعالى وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ و قد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا التفسير بما فيه كفاية و للَّه الحمد. و ذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله و كيفية أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة، و مضمون ذلك أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء و أرادوا أن يصلى لهم رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيه حتى بروج لهم ما أرادوه من الفساد و الكفر و العناد، فعصم اللَّه رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الصلاة فيه و ذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك، فلما رجع منها فنزل بذي أوان- مكان بينه و بين المدينة ساعة- نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد و هو قوله تعالى وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ الآية. أما قوله ضرارا فلأنهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء، و كفرا باللَّه لا للايمان به، و تفريقا للجماعة عن مسجد قباء و إرصادا لمن حارب اللَّه و رسوله من قبل و هو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه اللَّه و ذلك أنه لما دعاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الإسلام فأبى عليه، ذهب إلى مكة فاستنفرهم. فجاءوا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب و كان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم و يمنيهم و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فكانت مكاتباته و رسله تفد اليهم كل حين. فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة و باطنه دار حرب و مقر لمن