البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٧ - فصل و أما كتاب الوحي و غيره بين يديه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و رضى عنهم أجمعين
بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غير ما موطن، و من أوضح ذلك ما ثبت في الصحيح عنه أنه قال:
لما نزل قوله تعالى لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية دعاني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
فقال «اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين و المجاهدون في سبيل اللَّه»
فجاء ابن أم مكتوم فجعل يشكو ضرارته، فنزل الوحي على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فثقلت فخذه على فخذي حتى كادت ترضها، فنزل غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فأمرنى فألحقتها، فقال زيد: فانى لأعرف موضع ملحقها عند صدع في ذلك اللوح- يعنى من عظام- الحديث. و قد شهد زيد اليمامة و أصابه سهم فلم يضره، و هو الّذي أمره الصديق بعد هذا بأن يتتبع القرآن فيجمعه، و قال له إنك شاب عاقل لا نتهمك، و قد كنت تكتب الوحي لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فتتبع القرآن فأجمعه، ففعل ما أمره به الصديق، فكان في ذلك خير كثير و للَّه الحمد و المنة. و قد استنابه عمر مرتين في حجتين على المدينة، و استنابه لما خرج الى الشام، و كذلك كان عثمان يستنيبه على المدينة أيضا، و كان على يحبه، و كان يعظم عليا و يعرف له قدره، و لم يشهد معه شيئا من حروبه. و تأخر بعده حتى توفى سنة خمس و أربعين، و قيل سنة إحدى و قيل خمس و خمسين، و هو ممن كان يكتب المصاحف الأئمة التي نفذ بها عثمان بن عفان الى سائر الآفاق اللائي وقع على التلاوة طبق رسمهن الإجماع و الاتفاق كما قررنا ذلك في كتاب فضائل القرآن الّذي كتبناه مقدمة في أول كتابنا التفسير و للَّه الحمد و المنة.
و منهم السّجل، كما ورد به الحديث المروي في ذلك عن ابن عباس- إن صح- و فيه نظر. قال أبو داود حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا نوح بن قيس عن يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك عن أبى الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل كاتب للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و هكذا رواه النسائي عن قتيبة به عن ابن عباس أنه كان يقول: في هذه الآية يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [السجل الرجل.
هذا لفظه و رواه أبو جعفر بن جرير في تفسيره عند قوله تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ] عن نصر بن على عن نوح بن قيس و هو ثقة من رجال مسلم. و قد ضعفه ابن معين في رواية عنه. و أما شيخه يزيد بن كعب العوفيّ البصري فلم يرو عنه سوى نوح بن قيس، و قد ذكره مع ذلك ابن حبان في الثقات. و قد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير أبى الحجاج المزي فأنكره جدا، و أخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع، و إن كان في سنن أبى داود. فقال شيخنا المزي: و أنا أقوله.
قلت: و قد رواه الحافظ ابن عدي في كامله من حديث محمد بن سليمان الملقب ببومة عن يحيى ابن عمرو عن مالك النكرى عن أبيه عن أبى الجوزاء عن ابن عباس قال: كان لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كاتب يقال له السجل، و هو قوله [تعالى] يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ قال كما