البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٤ - فصل و أما كتاب الوحي و غيره بين يديه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و رضى عنهم أجمعين
ذو الرأى السديد، و البأس الشديد، و الطريق الحميد. أبو سليمان خالد بن الوليد. و يقال إنه لم يكن في جيش فكسر لا في جاهلية و لا إسلام. قال الزبير بن بكار: كانت إليه في قريش القبة و أعنة الخيل، أسلّم هو و عمرو بن العاص و عثمان بن طلحة بن أبى طلحة بعد الحديبيّة و قيل خيبر، و لم يزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يبعثه فيما يبعثه أميرا. ثم كان القدم على العساكر كلها في أيام الصديق، فلما ولى عمر بن الخطاب عزله و ولى أبو عبيدة أمين الأمة على أن لا يخرج عن رأى أبى سليمان. ثم مات خالد في أيام عمر و ذلك في سنة إحدى و عشرين و قيل اثنتين و عشرين- و الأول أصح- بقرية على ميل من حمص. قال الواقدي: سألت عنها فقيل لي دثرت. و قال دحيم: مات بالمدينة. و الأول أصح.
و قد روى أحاديث كثيرة يطول ذكرها قال عتيق بن يعقوب حدثني عبد الملك بن أبى بكر عن أبيه عن جده عن عمرو بن حزم أن هذه قطايع أقطعها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه الى المؤمنين أن صيدوح و صيده لا يعضد صيده و لا يقتل، فمن وجد يفعل من ذلك شيئا فإنه يجلد و ينزع ثيابه، و إن تعدى ذلك أحد فإنه يؤخذ
فيبلغ به النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و أن هذا من محمد النبي و كتب خالد بن الوليد بأمر رسول اللَّه فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد.
و منهم رضى اللَّه عنهم الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أبو عبد اللَّه الأسدي أحد العشرة، و أحد الستة أصحاب الشورى الذين توفى رسول اللَّه و هو عنهم راض [و حواري رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ابن عمته صفية بنت عبد المطلب و زوج أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه عنه] روى عتيق بن يعقوب بسنده المتقدم أن الزبير بن العوام هو الّذي كتب لبني معاوية بن جرول الكتاب الّذي أمره به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يكتبه لهم. و روى ابن عساكر باسناد عن عتيق به.
أسلّم الزبير قديما رضى اللَّه عنه و هو ابن ست عشرة سنة و يقال ابن ثمان سنين، و هاجر الهجرتين و شهد المشاهد كلها و هو أول من سل سيفا في سبيل اللَّه. و قد شهد اليرموك و كان أفضل من شهدها، و اخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم الى آخرهم مرتين و يخرج من الجانب الآخر سالما، لكن جرح في قفاه بضربتين رضى اللَّه عنه.
و قد جمع له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الخندق أبويه [١] و قال «إن لكل نبي حواريا و حواري الزبير»
و له فضائل و مناقب كثيرة و كانت وفاته يوم الجمل، و ذلك أنه كر راجعا عن القتال فلحقه عمرو بن جرموز و فضالة بن حابس و رجل ثالث يقال له نفيع التميميون بمكان يقال له وادي السباع، فبدر إليه عمرو بن جرموز و هو نائم فقتله، و ذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست و ثلاثين و له من العمر يومئذ سبع و ستون سنة، و قد خلف رضى
[١] أي قال له (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «فداك أبى و أمى».