البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧ - ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه (عليه السلام) إلى المدينة و منصرفه من تبوك
فتصدق بها عنا و استغفر لنا.
فقال «ما أمرت أن آخذ أموالكم»
فانزل اللَّه خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ الى قوله وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ و هم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسوارى فارجئوا حتى نزل قوله تعالى لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ الى آخرها. و كذا رواه عطية بن سعيد العوفيّ عن ابن عباس بنحوه.
و قد ذكر سعيد بن المسيب و مجاهد و محمد بن إسحاق قصة أبى لبابة و ما كان من أمره يوم بنى قريظة و ربط نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب اللَّه عليه، و أراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يكفيك من ذلك الثلث»
قال مجاهد و ابن إسحاق: و فيه نزل وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية. قال سعيد بن المسيب: ثم لم ير منه بعد ذلك في الإسلام الا خيرا رضى اللَّه عنه و أرضاه.
قلت: و لعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه و اقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم كما دل عليه سياق ابن عباس و اللَّه أعلم. و
روى الحافظ البيهقي من طريق أبى احمد الزبيري عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض بن عياض عن أبيه عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «إن منكم منافقين فمن سميت فليقم قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان» حتى عد ستة و ثلاثين، ثم قال «إن فيكم- أو إن منكم- منافقين فسلوا اللَّه العافية»
قال فمر عمر برجل متقنع و قد كان بينه و بينه معرفة فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال بعدا لك سائر اليوم.
قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام، مأمورون مأجورون كعليّ بن أبى طالب و محمد بن مسلمة، و ابن أم مكتوم، و معذورون و هم الضعفاء و المرضى، و المقلون و هم البكاءون، و عصاة مذنبون و هم الثلاثة، أبو لبابة و أصحابه المذكورون، و آخرون ملومون مذمومون و هم المنافقون.
ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه (عليه السلام) إلى المدينة و منصرفه من تبوك
قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ إملاء أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو البختري عبد اللَّه بن شاكر حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا عم أبى زخر [١] بن حصن عن جده حميد بن منهب قال سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول: هاجرت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول اللَّه إني أريد أن أمتدحك! فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «قل لا يفضض اللَّه فاك» فقال:
من قبلها طبت في الظلال و في* * * مستودع حيث يخصف الورق
[١] في الأصل زجر (بالجيم) و التصحيح من الاصابة و ضبطه بفتح الزاى و سكون المعجمة.