البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩١ - باب ذكر زوجاته (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و رضى عنهن و أولاده (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
و الوجه الثاني: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد خص من بين الأنبياء بأحكام لا يشاركونه فيها كما سنعقد له بابا مفردا في آخر السيرة إن شاء اللَّه، فلو قدر أن غيره من الأنبياء يورثون- و ليس الأمر كذلك- لكان ما رواه من ذكرنا من الصحابة الذين منهم الأئمة الأربعة، أبو بكر و عمر و عثمان و على مبينا لتخصيصه بهذا الحكم دون ما سواه.
و الثالث: أنه يجب العمل بهذا الحديث و الحكم بمقتضاه كما حكم به الخلفاء، و اعترف بصحته العلماء، سواء كان من خصائصه أم لا. فإنه
قال: «لا نورث ما تركناه صدقة»
إذ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون
قوله (عليه السلام) «ما تركنا صدقة»
أن يكون خبرا عن حكمه أو حكم سائر الأنبياء معه على ما تقدم و هو الظاهر، و يحتمل أن يكون إنشاء وصيته كأنه يقول لا نورث لأن جميع ما تركناه صدقة، و يكون تخصيصه من حيث جواز جعله ماله كله صدقة، و الاحتمال الأول أظهر. و هو الّذي سلكه الجمهور. و قد يقوى المعنى الثاني بما تقدم من
حديث مالك و غيره عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة. أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: «لا تقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي و مؤنة عاملي فهو صدقة»
و هذا اللفظ مخرج في الصحيحين، و هو يرد تحريف من قال من الجهلة من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث ما تركنا صدقة بالنصب، جعل- ما- نافية، فكيف يصنع بأول الحديث و هو قوله لا نورث؟! و بهذه الرواية
«ما تركت بعد نفقة نسائي و مؤنة عاملي فهو صدقة»
و ما شأن هذا إلا كما حكى عن بعض المعتزلة أنه قرأ على شيخ من أهل السنة وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً بنصب الجلالة، فقال له الشيخ: ويحك كيف تصنع بقوله تعالى وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ و المقصود أنه يجب العمل
بقوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لا نورث ما تركنا صدقة»
على كل تقدير احتمله اللفظ و المعنى فإنه مخصص لعموم آية الميراث، و مخرج له (عليه السلام) منها، إما وحده أو مع غيره من إخوانه الأنبياء عليه و عليهم الصلاة و السلام.
باب ذكر زوجاته (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و رضى عنهن و أولاده (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
قال اللَّه تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً، وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَ الْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً لا خلاف أنه (عليه السلام) توفى عن تسع وهن، عائشة بنت أبى بكر الصديق التيمية، و حفصة بنت عمر بن الخطاب