البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٩ - فصل و أما كتاب الوحي و غيره بين يديه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و رضى عنهم أجمعين
الكتاب فاللَّه أعلم. و قد كان عامر بن فهيرة- و يكنى أبا عمرو- من مولدي الأزد أسود اللون، و كان أولا مولى للطفيل بن الحارث أخى عائشة لأمها أم رومان، فأسلم قديما قبل أن يدخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دار الأرقم بن أبى الأرقم التي عند الصفا مستخفيا، فكان عامر يعذب مع جملة المستضعفين بمكة ليرجع عن دينه فيأبى، فاشتراه ابو بكر الصديق فأعتقه، فكان يرعى له غنما بظاهر مكة. و لما هاجر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و معه أبو بكر كان معهما رديفا لأبى بكر و معهم الدليل الدئلي فقط كما تقدم مبسوطا، و لما وردوا المدينة نزل عامر [بن فهيرة] على سعد بن خيثمة، و آخى رسول اللَّه بينه و بين أوس بن معاذ و شهد بدرا و أحدا، و قتل يوم بئر معونة كما تقدم و ذلك سنة أربع من الهجرة، و كان عمره إذ ذاك أربعين سنة فاللَّه أعلم. و قد ذكر عروة و ابن إسحاق و الواقدي و غير واحد، أن عامرا قتله يوم بئر معونة رجل يقال له جبار بن سلمى من بنى كلاب، فلما طعنه بالرمح قال: فزت و رب الكعبة، و رفع عامر حتى غاب عن الأبصار حتى قال عامر بن الطفيل: لقد رفع حتى رأيت السماء دونه، و سئل عمرو بن أمية عنه فقال: كان من أفضلنا و من أول أهل بيت نبينا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال جبار: فسألت الضحاك بن سفيان عما قال ما يعنى به؟ فقال يعنى الجنة. و دعاني الضحاك الى الإسلام فأسلمت لما رأيت من قتل عامر بن فهيرة، فكتب الضحاك الى رسول اللَّه يخبره بإسلامي و ما كان من أمر عامر، فقال «وارته الملائكة و أنزل عليين» و في الصحيحين عن أنس أنه قال:
قرأنا فيهم قرآنا أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا و أرضانا. و قد تقدم ذلك و بيانه في موضعه عند غزوة بئر معونة. و قال محمد بن إسحاق: حدثني هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول: من رجل منكم لما قتل رأيته رفع بين السماء و الأرض حتى رأيت السماء دونه؟ قالوا عامر بن فهيرة. و قال الواقدي حدثني محمد بن عبد اللَّه عن الزهري عن عروة عن عائشة قال: رفع عامر بن فهيرة الى السماء فلم توجد جثته، يرون أن الملائكة وارته.
و منهم رضى اللَّه عنهم عبد اللَّه بن أرقم بن أبى الأرقم المخزومي. أسلّم عام الفتح و كتب للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال الامام مالك: و كان ينفذ ما يفعله و يشكره و يستجيده. و قال سلمة عن محمد بن إسحاق ابن يسار عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد اللَّه بن الزبير أن رسول اللَّه استكتب عبد اللَّه بن الأرقم بن عبد يغوث، و كان يجيب عنه الملوك، و بلغ من أمانته أنه [كان يأمره أن] يكتب الى بعض الملوك فيكتب، و يختم على ما يقرأه لأمانته عنده. و كتب لأبى بكر و جعل اليه بيت المال، و أقره عليهما عمر بن الخطاب، فلما كان عثمان عزله عنهما.
قلت: و ذلك بعد ما استعفاه عبد اللَّه بن أرقم، و يقال إن عثمان عرض عليه ثلاثمائة ألف درهم عن أجرة عمالته فأبى أن يقبلها و قال: إنما عملت للَّه فأجرى على اللَّه عز و جل.