البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤١ - الواردين إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، و بين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد اللَّه خيرا و حسنى، و لكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان و الفضيلة و اللَّه أعلم. على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بإيراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها و نحن نورد بحمد اللَّه و منّه ما ذكروه و ننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك و نذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء اللَّه و به الثقة و عليه التكلان. و قد قال محمد بن عمر الواقدي حدثنا كثير بن عبد اللَّه المزني عن أبيه عن جده. قال: كان أول من وفد على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من مضر أربعمائة من مزينة و ذاك في رجب سنة خمس
فجعل لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الهجرة في دارهم و قال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم»
فرجعوا إلى بلادهم، ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي باسناده أن أول من قدم من مزينة خزاعيّ بن عبد نهم و معه عشرة من قومه فبايع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على إسلام قومه، فلما رجع اليهم لم يجدهم كما ظن فيهم فتأخروا عنه. فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه فجمعوا له و أسلموا معه و قدم بهم إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما كان يوم الفتح دفع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لواء مزينة- و كانوا يومئذ الفا- إلى خزاعيّ هذا، قال و هو أخو عبد اللَّه ذو البجادين [١]. و
قال البخاري (رحمه اللَّه) باب وفد بنى تميم حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبى صخرة عن صفوان بن محرز المازني عن عمران بن حصين. قال: أتى نفر من بنى تميم الي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «أقبلوا البشرى يا بنى تميم» قالوا يا رسول اللَّه قد بشرتنا فأعطنا، فرئي ذلك في وجهه ثم جاء نفر من اليمن فقال: «أقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا قبلنا يا رسول اللَّه.
ثم قال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبره عن ابن أبى مليكة أن عبد اللَّه بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بنى تميم على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال أبو بكر: أمّر القعقاع ابن معبد بن زرارة، فقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ حتى انقضت. و رواه البخاري أيضا من غير وجه عن ابن أبى مليكة بألفاظ أخر و قد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ الآية.
و قال محمد بن إسحاق: و لما قدمت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بنى تميم منهم الأقرع بن حابس، و الزبرقان بن بدر التميمي- أحد بنى سعد- و عمرو بن الأهتم، و الحتحات [٢] بن يزيد، و نعيم بن يزيد، و قيس بن
[١] في الاصابة: ذي النجادين.
[٢] في الحلبية: الحبحاب، و في التيمورية: الحجاب، و في ابن إسحاق الحثحاث، و قال ابن هشام الحتات و وافقه السهيليّ و استشهد بقول الفرزدق على أنه الحتات.