البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٦ - باب بيان أنه (عليه السلام) قال لا نورث
عن عروة عن عائشة كما تقدم، و زاد، فلما توفيت دفنها عليّ ليلا و لم يؤذن أبا بكر و صلى عليها، و كان لعلى من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر عليّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبى بكر و مبايعته و لم يكن بايع تلك الأشهر، فأرسل الى أبى بكر ايتنا و لا يأتنا معك أحد، و كره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر. فقال عمر: و اللَّه لا تدخل عليهم وحدك. قال أبو بكر: و ما عسى أن يصنعوا بى؟ و اللَّه لآتينهم. فانطلق أبو بكر رضى اللَّه عنه و قال إنا قد عرفنا فضلك و ما أعطاك اللَّه، و لم ننفس عليك خيرا ساقه اللَّه إليك، و لكنكم استبددتم بالأمر و كنا نرى لقرابتنا من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن لنا في هذا الأمر نصيبا، فلم يزل على يذكر حتى بكى أبو بكر رضى اللَّه عنه. و قال:
و الّذي نفسي بيده لقرابة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحب الىّ أن أصل من قرابتي، و أما الّذي شجر بينكم في هذه الأموال فانى لم آل فيها عن الخير، و لم أترك أمرا صنعه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلا صنعته. فلما صلى أبو بكر رضى اللَّه عنه الظهر رقى على المنبر فتشهد و ذكر شأن عليّ و تخلفه عن البيعة و عذره بالذي اعتذر به، و تشهد على رضى اللَّه عنه فعظم حق أبى بكر و ذكر فضيلته و سابقته، و حدث أنه لم يحمله على الّذي صنع نفاسة على أبى بكر، ثم قام الى أبى بكر رضى اللَّه عنهما فبايعه. فأقبل الناس على عليّ فقالوا أحسنت. و كان الناس الى على قريبا حين راجع الأمر بالمعروف [١]. و قد رواه البخاري أيضا و مسلم و أبو داود و النسائي من طرق متعددة عن الزهري عن عروة عن عائشة بنحوه. فهذه البيعة التي وقعت من على رضى اللَّه عنه، لأبى بكر رضى اللَّه عنه، بعد وفاة فاطمة رضى اللَّه عنها، بيعة مؤكدة للصلح الّذي وقع بينهما، و هي ثانية للبيعة التي ذكرناها أولا يوم السقيفة كما رواه ابن خزيمة و صححه مسلم بن الحجاج، و لم يكن على مجانبا لأبى بكر هذه الستة الأشهر، بل كان يصلى وراءه و يحضر عنده للمشورة، و ركب معه الى ذي القصة كما سيأتي. و في صحيح البخاري أن أبا بكر رضي اللَّه عنه صلى العصر بعد وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بليال، ثم خرج من المسجد فوجد الحسن بن على يلعب مع الغلمان، فاحتمله على كاهله و جعل يقول: يا بأبي شبه النبي، ليس شبيها بعلي. و على يضحك. و لكن لما وقعت هذه البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليا لم يبايع قبلها فنفى ذلك، و المثبت مقدم على النافي كما تقدم و كما تقرر و اللَّه أعلم. و أما تغضب فاطمة رضى اللَّه عنها و أرضاها على أبى بكر رضى اللَّه عنه و أرضاه فما أدرى ما وجهه، فان كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث فقد اعتذر اليها بعذر يجب قبوله و هو ما
رواه عن أبيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال «لا نورث ما تركنا صدقة»
و هي ممن تنقاد لنص الشارع الّذي خفي عليها قبل سؤالها الميراث كما خفي على أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
[١] هكذا عبارة الأصل و كذا في التيمورية.