البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٢ - فصل
إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون و لكنه في التحريش بينكم، و اتقوا اللَّه في النساء فإنّهنّ عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا و إن لهن عليكم حقا و لكم عليهنّ حق أن لا يوطئن فرشكم أحد غيركم، و لا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه. فان خفتم نشوزهن فعظوهن و اهجروهن في المضاجع و اضربوهن ضربا غير مبرح، و لهن رزقهن و كسوتهن بالمعروف، و إنما أخذتموهنّ بامانة اللَّه و استحللتم فروجهن بكلمة اللَّه، ألا و من كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها و بسط يده و قال: ألا هل بلغت! ألا هل بلغت! ثم قال: ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع.
قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد و اللَّه بلغوا أقواما كانوا أسعد به. و قد روى أبو داود في كتاب النكاح من سننه عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن أبى حرة الرقاشيّ- و اسمه حنيفة- عن عمه ببعضه في النشوز. قال: ابن حزم جاء أنه خطب يوم الرءوس و هو اليوم الثاني من يوم النحر بلا خلاف عن أهل مكة، و جاء أنه أوسط أيام التشريق فيحتمل على أن أوسط بمعنى أشرف كما قال تعالى وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً. و هذا المسلك الّذي سلكه ابن حزم بعيد و اللَّه أعلم.
و قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الوليد بن عمرو بن مسكين ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان ثنا موسى بن عبيدة عن عبد اللَّه بن دينار و صدقة بن يسار عن عبد اللَّه بن عمر. قال: نزلت هذه السورة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمنى و هو في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت له ثم ركب فوقف للناس بالعقبة فاجتمع اليه ما شاء اللَّه من المسلمين فحمد اللَّه و أثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: أما بعد أيها الناس فان كل دم كان في الجاهلية فهو هدر، و إن أول دمائكم أهدر دم ربيعة ابن الحارث كان مسترضعا في بنى ليث فقتلته هذيل. و كل ربا في الجاهلية فهو موضوع و ان أول رباكم أضع ربا العباس بن عبد المطلب، أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق اللَّه السموات و الأرض، و إن عدة الشهور عند اللَّه اثنا عشر منها أربعة حرم رجب- مضر- الّذي بين جمادى و شعبان، و ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ الآية إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ كانوا يحلون صفرا عاما و يحرمون المحرم عاما و يحرمون صفر عاما و يحلون المحرم عاما فذلك النسيء.
يا أيها الناس من كان عنده وديعة فليؤدها الى من ائتمنه عليها، أيها الناس إن الشيطان قد يئس ان يعبد ببلادكم آخر الزمان و قد يرضى عنكم بمحقرات الأعمال فاحذروه على بمحقرات الأعمال، أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهنّ بأمانة اللَّه و استحللتم فروجهن بكلمة اللَّه لكم عليهنّ حق و لهن عليكم حق، و من حقكم عليهنّ ان لا يوطئن فرشكم غيركم و لا يعصينكم في