البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٠ - باب تاريخ خروجه (عليه السلام) من المدينة لحجة الوداع بعد ما استعمل عليها أبا دجانة سماك بن حرشة الساعدي، و يقال سباع بن عرفطة الغفاريّ حكاهما عبد الملك بن هشام
[و قد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجعرانة. و سيأتي في فصل من قال إنه (عليه السلام) حج قارنا و باللَّه المستعان. فالأولى، من هذه العمر] عمرة الحديبيّة التي صد عنها. ثم بعدها عمرة القضاء و يقال عمرة القصاص و يقال عمرة القضية. ثم بعدها عمرة الجعرانة مرجعه من الطائف حين قسم غنائم حنين و قد قدمنا ذلك كله في مواضعه، و الرابعة عمرته مع حجته و سنبين اختلاف الناس في عمرته هذه مع الحجة هل كان متمتعا بان أوقع العمرة قبل الحجة و حل منها أو منعه من الإحلال منها سوقه الهدى أو كان قارنا لها مع الحجة كما نذكره من الأحاديث الدالة على ذلك أو كان مفردا لها عن الحجة بأن أوقعها بعد قضاء الحجة قال و هذا هو الّذي يقوله من يقول بالإفراد كما هو المشهور عن الشافعيّ و سيأتي بيان هذا عند ذكرنا إحرامه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كيف كان مفردا أو متمتعا أو قارنا.
قال البخاري: ثنا عمرو بن خالد ثنا زهير ثنا أبو إسحاق حدثني زيد بن أرقم ان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غزا تسع عشرة غزوة و أنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة قال أبو إسحاق و بمكة أخرى و قد رواه مسلّم من حديث زهير و أخرجاه من حديث شعبة. زاد البخاري و إسرائيل ثلاثتهم عن أبى إسحاق عمرو بن عبد اللَّه السبيعي عن زيد به و هذا الّذي قال أبو إسحاق من أنه (عليه السلام) حج بمكة حجة أخرى أي أراد أنه لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة كما هو ظاهر لفظه فهو بعيد
فإنه (عليه السلام) كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج و يدعو الناس إلى اللَّه و يقول: «من رجل يؤوينى حتى أبلغ كلام ربى فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى عز و جل»
حتى قيض اللَّه جماعة الأنصار يلقونه ليلة العقبة أي عشية يوم النحر عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية و هي ثالث اجتماعه لهم به ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه و اللَّه أعلم.
و في حديث جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن جابر بن عبد اللَّه. قال: أقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمدينة تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس بالحج فاجتمع بالمدينة بشر كثير فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لخمس بقين من ذي القعدة أو لأربع فلما كان بذي الحليفة صلى ثم استوى على راحلته فلما أخذت به في البيداء لبى و اهللنا لا ننوى إلا الحج.
و سيأتي الحديث بطوله و هو في صحيح مسلّم و هذا لفظ البيهقي من طريق احمد بن حنبل عن إبراهيم بن طهمان عن جعفر بن محمد به.
باب تاريخ خروجه (عليه السلام) من المدينة لحجة الوداع بعد ما استعمل عليها أبا دجانة سماك بن حرشة الساعدي، و يقال سباع بن عرفطة الغفاريّ حكاهما عبد الملك بن هشام
قال محمد بن إسحاق: فلما دخل على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج، و أمر