البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٦ - فصل
فصل
روى أمره (عليه السلام) لمن لم يسق الهدى بفسخ الحج الى العمرة خلق من الصحابة يطول ذكرنا لهم ها هنا و موضع سرد ذلك كتاب الأحكام الكبير إن شاء اللَّه. و قد اختلف العلماء في ذلك فقال: مالك و أبو حنيفة و الشافعيّ كان ذلك من خصائص الصحابة ثم نسخ جواز الفسخ لغيرهم و تمسكوا بقول أبى ذر رضى اللَّه عنه لم يكن فسخ الحج الى العمرة إلا لأصحاب محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رواه مسلم و أما الامام احمد فرد ذلك. و قال قد رواه أحد عشر صحابيا فأين تقع هذه الرواية من ذلك و ذهب (رحمه اللَّه) الى جواز الفسخ لغير الصحابة. و قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما بوجوب الفسخ على كل من لم يسق الهدى بل عنده أنه يحل شرعا إذا طاف بالبيت و لم يكن ساق هديا صار حلالا بمجرد ذلك و ليس عنه النسك إلا القران لمن ساق الهدى أو التمتع لمن لم يسق فاللَّه أعلم.
قال البخاري ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر و عن طاوس عن ابن عباس.
قالا: قدم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه صبح رابعة من ذي الحجة يهلون بالحج لا يخلطه شيء فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة و أن نحل الى نسائنا ففشت تلك المقالة. قال عطاء قال جابر: فيروح أحدنا الى منى و ذكره يقطر منيا. قال جابر- بكفه- فبلغ النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: بلغني أن قوما يقولون كذا و كذا و اللَّه لأنا أبر و أتقى للَّه منهم و لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت ما أهديت و لو لا أن معى الهدى لأحللت فقام سراقة بن جعشم. فقال: يا رسول اللَّه هي لنا أو للأبد فقال بل للأبد.
قال مسلم ثنا قتيبة ثنا الليث هو ابن سعد عن أبى الزبير عن جابر. أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول اللَّه بحج مفرد و أقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة و الصفا و المروة و أمرنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يحل منا من لم يكن معه هدى. قال فقلنا حل ما ذا قال الحل كله فواقعنا النساء و تطيبنا بالطيب و لبسنا ثيابا و ليس بيننا و بين عرفة إلا أربع ليال فهذان الحديثان فيهما التصريح بأنه (عليه السلام) قدم مكة عام حجة الوداع لصبح رابعة ذي الحجة و ذلك يوم الأحد حين ارتفع النهار وقت الضحاء لأن أول ذي الحجة تلك السنة كان يوم الخميس بلا خلاف لأن يوم عرفة منه كان يوم الجمعة بنص حديث عمر بن الخطاب الثابت في الصحيحين كما سيأتي. فلما قدم (عليه السلام) يوم الأحد رابع الشهر بدأ كما ذكرنا بالطواف بالبيت ثم بالسعي بين الصفا و المروة فلما انتهى طوافه بينهما عند المروة أمر من لم يكن معه هدى أن يحل من إحرامه حتما فوجب ذلك عليهم لا محالة ففعلوه و بعضهم متأسف لأجل أنه (عليه السلام) لم يحل من إحرامه لأجل سوقه الهدى و كانوا يحبون موافقته (عليه السلام) و التأسي به فلما رأى ما عندهم من ذلك. قال: لهم لو استقبلت من