البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٣ - وفد أهل نجران
بعدنا، قالا إنا نعطيك ما سألتنا و أبعث معنا رجلا أمينا و لا تبعث معنا إلا رجلا أمينا، فقال «لا بعثن معكم رجلا أمينا حق أمين فاستشرف لها أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قال قم يا أبا عبيدة ابن الجراح، فلما قام قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «هذا أمين هذه الأمة» و قد رواه البخاري أيضا و مسلم من حديث شعبة عن أبى إسحاق به.
و قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ و أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن سلمة بن يسوع عن أبيه عن جده- قال يونس و كان نصرانيا فأسلم- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كتب الى نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان [١]، باسم إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب، من محمد النبي رسول اللَّه الى أسقف نجران أسلم أنتم فأنى احمد إليكم إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب، أما بعد فانى أدعوكم الى عبادة اللَّه من عبادة العباد، و أدعوكم الى ولاية اللَّه من ولاية العباد، فان أبيتم فالجزية، فان أبيتم آذنتكم بحرب و السلام.
فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه قطع به و ذعر به ذعرا شديدا و بعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة- و كان من همدان و لم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله لا الاتهم [٢] و لا السيد و لا العاقب- فدفع الأسقف كتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد اللَّه إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما تؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل ليس لي في النبوة رأى، و لو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي و جهدت لك، فقال له الأسقف تنح فاجلس، فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد اللَّه بن شرحبيل و هو من ذي أصبح من حمير فاقرأه الكتاب و سأله عن الرأى فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقف تنح فاجلس فتنحى فجلس ناحيته، و بعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بنى الحارث بن كعب أحد بنى الحماس فاقرأه الكتاب و سأله عن الرأى فيه فقال له مثل قول شرحبيل و عبد اللَّه، فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحيته فلما اجتمع الرأى منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به و رفعت النيران و المسوح في الصوامع و كذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، و إذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس و رفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضرب بالناقوس و رفعت المسوح أهل الوادي أعلاه و أسفله و طول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع و فيه ثلاث و سبعون
[١] يريد السورة التي فيها الآية الكريمة إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و
قوله أسلم أنتم كذا في الأصول و لعله أسلم تسلم.
[٢] كذا في الأصول: و في ابن هشام: الابهم بالباء و جعله اسم السيد فيكون سياق العبارة لا الابهم و هو السيد، و اسم العاقب عبد المسيح و ليحرر.