البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٤ - قصة عدي بن حاتم الطائي
و كنت في نفسي على دين و كنت ملكا في قومي لما كان يصنع بى، فلما سمعت برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كرهته فقلت لغلام كان لي عربي و كان راعيا لإبلي لا أبا لك أعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا منى فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فاذنى ففعل، ثم إنه أتانى ذات غداة فقال: يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فانى قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا هذه جيوش محمد. قال: قلت. فقرب الى اجمالى فقربها فاحتملت بأهلى و ولدى ثم قلت الحق بأهل ديني من النصارى بالشام فسلكت الحوشية و خلفت بنتا لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها و تخالفنى خيل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في سبايا من طيِّئ و قد بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هربي الى الشام،
قال فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها فمر بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقامت اليه و كانت امرأة جزلة. فقالت: يا رسول اللَّه هلك الوالد و غاب الوافد فامنن على من اللَّه عليك. قال: و من وافدك؟
قالت عدي بن حاتم قال الفار من اللَّه و رسوله قالت ثم مضى و تركني حتى إذا كان الغد مر بي فقلت له مثل ذلك و قال لي مثل ما قال بالأمس، قالت حتى إذا كان بعد الغد مر بي و قد يئست فاشار إليّ رجل خلفه أن قومي فكلميه. قالت فقمت اليه فقلت: يا رسول اللَّه هلك الوالد و غاب الوافد فامنن على من اللَّه عليك. فقال (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنينى،
فسألت عن الرجل الّذي أشار إلى أن كلميه فقيل لي على بن أبى طالب قالت فقمت حتى قدم من بلى أو قضاعة قالت و إنما أريد أن آتى أخى بالشام فجئت فقلت يا رسول اللَّه قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة و بلاغ. قالت: فكساني و حملني و أعطانى نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام قال عدي فو اللَّه إني لقاعد في أهلي فنظرت إلى ظعينة تصوّب إلى قومنا قال فقلت ابنة حاتم قال فإذا هي هي فلما وقفت عليّ استحلت تقول القاطع الظالم احتملت بأهلك و ولدك و تركت بقية والدك عورتك؟ قال قلت أي أخية لا تقولي إلا خيرا فو اللَّه ما لي من عذر لقد صنعت ما ذكرت قال ثم نزلت فأقامت عندي فقلت لها و كانت امرأة حازمة ما ذا ترين في أمر هذا الرجل، قالت أرى و اللَّه أن تلحق به سريعا فان يكن الرجل نبيا فللسابق اليه فضله و إن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن و أنت أنت. قال: قلت و اللَّه إن هذا الرأى قال فخرجت حتى أقدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة فدخلت عليه و هو في مسجده فسلمت عليه. فقال: من الرجل؟ فقلت عدي بن حاتم، فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و انطلق بى إلى بيته فو اللَّه إنه لعامد بى اليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال قلت في نفسي و اللَّه ما هذا بملك.
قال: ثم مضى بى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلى فقال «اجلس على هذه»