البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٤ - فصل في ذكر أمور مهمة وقعت بعد وفاته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قبل دفنه
(صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال بعضهم مات! و قال بعضهم لم يمت وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقالت: قد توفى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد رفع الخاتم من بين كتفيه فكان هذا الّذي قد عرف به موته هكذا أورده الحافظ البيهقي في كتابه دلائل النبوة من طريق الواقدي و هو ضعيف و شيوخه لم يسمون ثم هو منقطع بكل حال و مخالف لما صح و فيه غرابة شديدة و هو رفع الخاتم فاللَّه أعلم بالصواب. و قد ذكر الواقدي و غيره في الوفاة أخبارا كثيرة فيها نكارات و غرابة شديدة أضربنا عن أكثرها صفحا لضعف أسانيدها و نكارة متونها و لا سيما ما يورده كثير من القصاص المتأخرين و غيرهم فكثير منه موضوع لا محالة و في الأحاديث الصحيحة و الحسنة المروية في الكتب المشهورة غنية عن الأكاذيب و ما لا يعرف سنده و اللَّه أعلم.
فصل في ذكر أمور مهمة وقعت بعد وفاته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قبل دفنه
و من أعظمها و أجلها و أيمنها بركة على الإسلام و أهله بيعة أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه و ذلك لأنه عليه الصلاة و السلام لما مات كان الصديق رضى اللَّه عنه قد صلى بالمسلمين صلاة الصبح و كان إذ ذاك قد أفاق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) افاقة من غمرة ما كان فيه من الوجع و كشف ستر الحجرة و نظر الى المسلمين و هم صفوف في الصلاة خلف أبى بكر فأعجبه ذلك و تبسم (صلوات اللَّه و سلامه عليه) حتى هم المسلمون أن يتركوا ما هم فيه من الصلاة لفرحهم به و حتى أراد أبو بكر أن يتأخر ليصل الصف فأشار اليهم أن يمكثوا كما هم و أرخى الستارة و كان آخر العهد به عليه الصلاة و السلام فلما انصرف أبو بكر رضى اللَّه عنه من الصلاة دخل عليه و قال لعائشة ما أرى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلا قد أقلع عنه الوجع و هذا يوم بنت خارجة يعنى إحدى زوجتيه و كانت ساكنة بالسنح شرقى المدينة فركب على فرس له و ذهب الى منزله و توفى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين اشتد الضحى من ذلك اليوم و قيل عند زوال الشمس و اللَّه أعلم.
فلما مات و اختلف الصحابة فيما بينهم فمن قائل يقول مات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و من قائل لم يمت فذهب سالم بن عبيد وراء الصديق الى السنح فاعلمه بموت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجاء الصديق من منزله حين بلغه الخبر فدخل على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منزله و كشف الغطاء عن وجهه و قبله و تحقق أنه قد مات خرج الى الناس فخطبهم الى جانب المنبر و بين لهم وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما قدمنا و أزاح الجدل و أزال الأشكال و رجع الناس كلهم اليه و بايعه في المسجد جماعة من الصحابة و وقعت شبهة لبعض الأنصار و قام في أذهان بعضهم جواز استخلاف خليفة من الأنصار و توسط بعضهم بين أن يكون أمير من المهاجرين و أمير من الأنصار حتى بين لهم الصديق أن الخلافة لا تكون إلا في قريش فرجعوا اليه و أجمعوا عليه كما سنبينه و ننبه عليه.