البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٤ - وفد أهل نجران
قرية و عشرون و مائة ألف مقاتل فقرأ عليهم كتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و سألهم عن الرأى فيه، فاجتمع رأى أهل الرأى منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمدانيّ و عبد اللَّه بن شرحبيل الأصبحي و جبار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم و لبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة و خواتيم الذهب ثم انطلقوا حتى أتوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسلموا عليه فلم يرد (عليهم السلام)، و تصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم و عليهم تلك الحلل و الخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف و كانوا يعرفونهما فوجدوهما في ناس من المهاجرين و الأنصار في مجلس. فقالوا: يا عثمان و يا عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا و تصدينا لكلامه نهارا طويلا فاعيانا أن يكلمنا فما الرأى منكما، أ ترون أن نرجع؟ فقالا لعلى بن أبى طالب و هو في القوم ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟
فقال على لعثمان و لعبد الرحمن أرى أن يضعوا حللهم هذه و خواتيمهم و يلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا اليه، ففعلوا فسلموا فرد سلامهم. ثم قال: «و الّذي بعثني بالحق لقد أتونى المرة الاولى و أن إبليس لمعهم، ثم ساءلهم و ساءلوه فلم تزل به و بهم المسألة حتى قالوا ما تقول في عيسى فانا نرجع إلى قومنا و نحن نصارى ليسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ما عندي فيه شيء يومى هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقول اللَّه في عيسى»
فأصبح الغد و قد أنزل اللَّه عز و جل هذه الآية إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.
فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن و الحسين في خميل له و فاطمة تمشى عند ظهره للملاعنة و له يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه و أسفله لم يردوا و لم يصدروا إلا عن رأيي، و إني و اللَّه أرى امرا ثقيلا، و اللَّه لئن كان هذا الرجل ملكا متقويا فكنا أول العرب طعن في عيبته و رد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره و لا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة و إنا أدنى العرب منهم جوارا، و لئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلا عناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر و لا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأى يا أبا مريم؟ فقال رأيي أن أحكمه فانى أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا فقالا له أنت و ذاك،
قال فتلقى شرحبيل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك فقال «و ما هو»؟ فقال حكمك اليوم إلى الليل و ليلتك إلى الصباح، فما حكمك فينا فهو جائز، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لعل وراءك أحد يثرب عليك؟» فقال شرحبيل سل صاحبي، فقالا ما يرد