البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥١ - قصة ثمامة و وفد بنى حنيفة و معهم مسيلمة الكذاب لعنه اللَّه
لنا في رحالنا و في ركائبنا يحفظها لنا،
قال فأمر له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمثل ما أمر به للقوم، و قال «أما أنه ليس بشّركم مكانا»
أي لحفظه ضيعة أصحابه ذلك الّذي يريد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال ثم انصرفوا عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و جاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فلما انتهوا الى اليمامة ارتد عدو اللَّه و تنبأ و تكذب لهم. و قال: إني قد أشركت في الأمر معه، و قال لوفده الذين كانوا معه أ لم يقل لكم حين ذكرتموني له أما إنه ليس بشركم مكانا، ما ذاك إلا لما كان يعلم أنى قد أشركت في الأمر معه ثم جعل يسجع لهم السجعات و يقول لهم فيما. يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم اللَّه على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. و أحل لهم الخمر و الزنا، و وضع عنهم الصلاة، و هو مع هذا يشهد لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأنه نبي. فاصفقت [١] معه بنو حنيفة على ذلك. قال ابن إسحاق فاللَّه أعلم أي ذلك كان. و ذكر السهيليّ و غيره أن الرّحال بن عنفوة- و اسمه نهار بن عنفوة- و كان قد أسلم و تعلم شيئا من القرآن و صحب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مدة، و
قد مر عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو جالس مع أبى هريرة و فرات بن حيان فقال لهم: «أحدكم ضرسه في النار مثل أحد»
فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرحال مع مسيلمة و شهد له زورا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أشركه في الأمر معه، و ألقى اليه شيئا مما كان يحفظه من القرآن فادعاه مسيلمة لنفسه فحصل بذلك فتنة عظيمة لبني حنيفة و قد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة كما سيأتي. قال السهيليّ و كان مؤذن مسيلمة يقال له حجير، و كان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل، و أضيف اليهم سجاح و كانت تكنى أم صادر تزوجها مسيلمة و له معها أخبار فاحشة، و اسم مؤذنها زهير بن عمرو و قيل جنبة بن طارق، و يقال إن شبث بن ربعي أذن لها أيضا ثم أسلم و قد أسلمت هي أيضا أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها، و قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: و قد كان مسيلمة بن حبيب كتب الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من مسيلمة رسول اللَّه الى محمد رسول اللَّه، سلام عليك أما بعد فانى قد أشركت في الأمر معك فان لنا نصف الأمر و لقريش نصف الأمر، و لكن قريشا قوم لا يعتدون. فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب
فكتب اليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من محمد رسول اللَّه الى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى، أما بعد ف إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
قال و كان ذلك في آخر سنة عشر- يعنى ورود هذا الكتاب-
قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق فحدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: «و أنتما تقولان مثل ما يقول؟» قالا نعم! فقال أما و اللَّه لو لا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما.
و قال أبو داود الطيالسي حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبى وائل عن عبد اللَّه
[١] أصفقت: أي اجتمعت معه.