البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٤ - ذكر من قال إنه عليه الصلاة و السلام حج متمتعا
و بالصفا و المروة و ليقصر و ليحلل ثم ليهل بالحج و ليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام و سبعة إذا رجع الى أهله». و طاف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين قدم مكة، استلم [الحجر] أول شيء ثم خب ثلاثة أشواط من السبع و مشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا و المروة ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه و نحر هديه يوم النحر و أفاض فطاف بالبيت، و فعل مثل ما فعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من أهدى فساق الهدى من الناس.
قال الامام احمد و حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير: أن عائشة أخبرته عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في تمتعه بالعمرة الى الحج و تمتع الناس معه بمثل الّذي أخبرنى سالم ابن عبد اللَّه عن عبد اللَّه عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قد روى هذا الحديث البخاري عن يحيى بن بكير، و مسلم و أبو داود عن عبد الملك بن شعيب عن الليث عن أبيه، و النسائي عن محمد بن عبد اللَّه ابن المبارك المخرمي عن حجين بن المثنى ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة كما ذكره الامام احمد (رحمه اللَّه). و هذا الحديث من المشكلات على كل من الأقوال الثلاثة، أما قول الافراد ففي هذا إثبات عمرة أما قبل الحج أو معه، و أما على قول التمتع الخاص فلأنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعد ما طاف بالصفا و المروة. و ليس هذا شأن المتمتع، و من زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدى كما قد يفهم من
حديث ابن عمر عن حفصة أنها قالت: يا رسول اللَّه ما شأن الناس حلوا من العمرة و لم تحل أنت من عمرتك فقال إني لبدت رأسي و قلدت هدى فلا أحل حتى انحر.
فقولهم بعيد لأن الأحاديث الواردة في إثبات القران ترد هذا القول و تأبى كونه (عليه السلام) انما أهل أولا بعمرة ثم بعد سعيه بالصفا و المروة أهل بالحج فان هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد باسناد صحيح بل و لا حسن و لا ضعيف. و قوله في هذا الحديث: تمتع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في حجة الوداع بالعمرة الى الحج، إن أريد بذلك التمتع الخاص و هو الّذي يحل منه بعد السعي فليس كذلك فان في سياق الحديث ما يرده ثم في إثبات العمرة المقارنة لحجة (عليه السلام) ما يأباه، و ان أريد به التمتع العام دخل فيه القران و هو المراد. و قوله: و بدأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، إن أريد به بدأ بلفظ العمرة على لفظ الحج بأن قال لبيك اللَّهمّ عمرة و حجا فهذا سهل و لا ينافي القران و ان أريد به أنه أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج متراخ و لكن قبل الطواف قد صار قارنا أيضا، و ان أريد به أنه أهل بالعمرة ثم فرغ من أفعالها تحلل أو لم يتحلل بسوق الهدى كما زعمه زاعمون و لكنه أهل بحج بعد قضاء مناسك العمرة و قبل خروجه الى منى، فهذا لم ينقله أحد من الصحابة كما قدمنا، و من ادعاه من الناس فقوله مردود لعدم نقله و مخالفته الأحاديث الواردة في