البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٩ - باب
كتاب حجة الوداع في سنة عشر و يقال لها حجة البلاغ، و حجة الإسلام، و حجة الوداع
لانه عليه الصلاة و السلام ودع الناس فيها و لم يحج بعدها، و سميت حجة الإسلام لانه (عليه السلام) لم يحج من المدينة غيرها و لكن حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة و بعدها. و قد قيل إن فريضة الحج نزلت عامئذ و قيل سنة تسع و قيل سنة ست و قيل قبل الهجرة و هو غريب، و سميت حجة البلاغ لأنه (عليه السلام) بلّغ الناس شرع اللَّه في الحج قولا و فعلا و لم يكن بقي من دعائم الإسلام و قواعده شيء إلا و قد بينه (عليه السلام) فلما بين لهم شريعة الحج و وضحه و شرحه أنزل اللَّه عز و جل عليه و هو واقف بعرفة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.
و سيأتي إيضاح لهذا كله و المقصود ذكر حجته (عليه السلام) كيف كانت فإن النقلة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا جدا بحسب ما وصل الى كل منهم من العلم و تفاوتوا في ذلك تفاوتا كثيرا لا سيما من بعد الصحابة رضى اللَّه عنهم و نحن نورد بحمد اللَّه و عونه و حسن توفيقه ما ذكره الأئمة في كتبهم من هذه الروايات و نجمع بينهما جمعا يثلج قلب من تأمله و أنعم النظر فيه و جمع بين طريقتي الحديث و فهم معانيه ان شاء اللَّه و باللَّه الثقة و عليه التكلان، و قد اعتنى الناس بحجة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اعتناء كثيرا من قدماء الأئمة و متأخريهم و قد صنف العلامة أبو محمد بن حزم الأندلسى (رحمه اللَّه) مجلدا في حجة الوداع أجاد في أكثره و وقع له فيه أوهام سننبّه عليها في مواضعها و باللَّه المستعان.
باب
بيان أنه (عليه السلام) لم يحج من المدينة الا حجة واحدة و إنه اعتمر قبلها ثلاث عمر كما رواه البخاري و مسلّم عن هدبة عن همام عن قتادة عن أنس. قال: اعتمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي في حجته الحديث. و قد رواه يونس بن بكير عن عمر بن ذر عن مجاهد عن أبى هريرة مثله و قال سعد بن منصور عن الدراوَرْديّ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
قالت: اعتمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثلاث عمر عمرة في شوال و عمرتين في ذي القعدة و كذا رواه ابن بكير عن مالك عن هشام بن عروة. و روى الامام احمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه اعتمر ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة. و قال أحمد حدثنا أبو النضر ثنا داود- يعنى العطار- عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس. قال: اعتمر رسول اللَّه أربع عمر عمرة الحديبيّة و عمرة القضاء و الثالثة من الجعرانة و الرابعة التي مع حجته. و رواه أبو داود و الترمذي و النسائي من حديث داود العطار و حسنه الترمذي.