البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٦ - فصل و أما كتاب الوحي و غيره بين يديه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و رضى عنهم أجمعين
كثيرة يطول ذكرها و لما قتل الزبير بن العوام بوادي السباع كما تقدم قالت امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثيه رضى اللَّه عنها و عنه:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة* * * يوم اللقاء و كان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته* * * لا طائشا رعش الجنان و لا اليد
كم غمرة قد خاضها لم يثنه* * * عنها طراد يا ابن فقع القردد
ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله* * * فيمن مضى فيمن يروح و يغتدى
و اللَّه ربك إن قتلت لمسلما* * * حلت عليك عقوبة المتعمد
و منهم رضى اللَّه عنهم زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبيد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري، أبو سعيد و يقال أبو خارجة و يقال أبو عبد الرحمن المدني قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة و هو ابن احدى عشرة سنة فلهذا لم يشهد بدرا لصغره، قيل و لا أحدا و أول مشاهده الخندق، ثم شهد ما بعدها. و كان حافظا لبيبا عالما عاقلا، ثبت عنه في صحيح البخاري أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمره أن يتعلم كتاب يهود ليقرأه على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا كتبوا اليه، فتعلمه في خمسة عشر يوما.
و قد قال الامام احمد حدثنا سليمان بن داود ثنا عبد الرحمن عن أبى الزناد عن خارجة بن زيد أن أباه زيدا أخبره أنه لما قدم رسول اللَّه المدينة قال زيد: ذهب بى الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأعجب بى، فقالوا يا رسول اللَّه هذا غلام من بنى النجار معه مما أنزل اللَّه عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك رسول اللَّه و قال «يا زيد تعلم لي كتاب يهود فانى و اللَّه ما آمن يهود على كتابي».
قال زيد: فتعلمت لهم كتابهم ما مرت خمس عشرة ليلة حتى حذقته، و كنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا اليه، و أجيب عنه إذا كتب. ثم رواه احمد عن شريح بن النعمان عن ابن أبى الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه فذكر نحوه. و قد علقه البخاري في الأحكام عن خارجة ابن زيد بن ثابت بصيغة الجزم فقال و قال خارجة بن زيد فذكره. و رواه أبو داود عن احمد بن يونس و الترمذي عن على بن حجر كلاهما عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه به نحوه. و قال الترمذي حسن صحيح. و هذا ذكاء مفرط جدا. و قد كان ممن جمع القرآن على عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من القراء كما ثبت في الصحيحين عن أنس.
و روى احمد و النسائي من حديث أبى قلابة عن أنس عن رسول اللَّه أنه قال «أرحم أمتى بأمتي أبو بكر، و أشدها في دين اللَّه عمر، و أصدقها حياء عثمان، و أقضاهم على بن أبى طالب، و أعلمهم بالحلال و الحرام معاذ بن جبل، و أعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت، و لكل أمة أمين، و أمين هذه الأمة ابو عبيدة بن الجراح»
و من الحفاظ من يجعله مرسلا إلا ما يتعلق بأبي عبيدة. ففي صحيح البخاري من هذا الوجه. و قد كتب الوحي