البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٠ - فصل
أنشأ إحراما للحج و لا اعتمر بعد الحج فلزم القران و هذا مما يعسر الجواب عنه و اللَّه أعلم. و أيضا فان رواية القران مثبتة لما سكت عنه أو نفاه من روى الافراد و التمتع فهي مقدمة عليها كما هو مقرر في علم الأصول و عن أبى عمران أنه حج مع مواليه. قال: فأتيت أم سلمة فقلت يا أم المؤمنين إني لم أحج قط فأيهما أبدأ بالعمرة أم بالحج قالت ابدأ بأيهما شئت. قال ثم أتيت صفية أم المؤمنين فسألنها فقالت: لي مثل ما قالت لي ثم جئت أم سلمة فأخبرتها بقول صفية
فقالت لي أم سلمة. سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: يا آل محمد من حج منكم فليهل بعمرة في حجة رواه ابن حبان في صحيحه و قد رواه ابن حزم في حجة الوداع من حديث الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن أسلم عن أبى عمران عن أم سلمة به.
فصل
إن قيل: قد رويتم عن جماعة من الصحابة أنه (عليه السلام) أفرد الحج ثم رويتم عن هؤلاء بأعيانهم و عن غيرهم أنه جمع بين الحج و العمرة فما الجمع من ذلك [١] فالجواب: أن رواية من روى أنه أفرد الحج محمولة على أنه أفرد أفعال الحج و دخلت العمرة فيه نية و فعلا و وقتا و هذا يدل على أنه اكتفى بطواف الحج و سعيه عنه و عنها كما هو مذهب الجمهور في القارن خلافا لأبى حنيفة (رحمه اللَّه) حيث ذهب الى أن القارن يطوف طوافين و يسعى سعيين و اعتمد على ما روى في ذلك عن على بن أبى طالب و في الاسناد اليه نظر. و أما من روى التمتع ثم روى القران فقد قدمنا الجواب عن ذلك بأن التمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص و القران بل و يطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج و إن لم يكن معه حج. كما قال: سعد بن أبى وقاص تمتعنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هذا- يعنى معاوية- يومئذ كافر بالعرش- يعنى بمكة- و إنما يريد بهذا احدى العمرتين إما الحديبيّة أو القضاء فاما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية قد أسلم لأنها كانت بعد الفتح و حجة الوداع بعد ذلك سنة عشر و هذا بين واضح و اللَّه أعلم.
فصل
إن قيل: فما جوابها عن الحديث الّذي رواه أبو داود الطيالسي في مسندة.
حدثنا هشام عن قتادة عن أبى سيح الهنائى و اسمه صفوان بن خالد أن معاوية. قال: لنفر من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أ تعلمون أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهى عن صفف النمور قالوا اللَّهمّ نعم! قال. و أنا أشهد قال: أ تعلمون أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا قالوا اللَّهمّ نعم! قال: أ تعلمون أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
[١] هكذا في النسخ و لعلها بين ذلك.