البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٨ - بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق و موافقتهم على ذلك
يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال اللَّه، فعمل بذلك رسول اللَّه حياته أنشدكم باللَّه هل تعلمون ذلك؟ قالوا نعم! ثم قال لعلى و عباس: أنشدكما باللَّه هل تعلمان ذلك! فتوفى اللَّه نبيه فقال أبو بكر رضى اللَّه عنه: أنا ولى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقبضها فعمل بما عمل به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ثم توفى اللَّه أبا بكر فقلت أنا ولى ولي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر، ثم جئتمانى و كلمتكما واحدة و أمركما جميع، حتى جئتني تسألنى نصيبك من ابن أخيك، و جاءني هذا ليسألنى نصيب امرأته من أبيها، فقلت إن شئتما دفعتها اليكما بذلك، فتلتمسان منى قضاء غير ذلك! فو اللَّه الّذي باذنه تقوم السماء و الأرض لا أقضى فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فان عجزتما فادفعاها الىّ فأنا أكفيكماها. و قد رواه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه، و مسلم و أهل السنن من طرق عن الزهري به. و في رواية في الصحيحين فقال عمر: فوليها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اللَّه يعلم أنه صادق بارّ راشد تابع للحق، ثم وليتها فعملت فيها بما عمل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر، و اللَّه يعلم أنى صادق بارّ راشد تابع للحق. ثم جئتمانى فدفعتا إليكما لتعملا فيها بما عمل رسول اللَّه و أبو بكر و عملت فيها أنا، أنشدكم باللَّه أدفعتها اليهما بذلك؟ قالوا نعم. ثم قال لهما. أنشدكما باللَّه هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا نعم، قال أ فتلتمسان منى قضاء غير ذلك! لا و الّذي باذنه تقوم السماء و الأرض. و قال الامام احمد حدثنا سفيان عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أوس قال سمعت عمر يقول لعبد الرحمن و طلحة و الزبير و سعد: نشدتكم باللَّه الّذي تقوم السماء و الأرض بأمره أعلمتم
أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال: «لا نورث ما تركنا صدقة؟»
قالوا نعم! على شرط الصحيحين.
قلت: و كان الّذي سألاه- بعد تفويض النظر اليهما و اللَّه أعلم- هو أن يقسم بينهما النظر فيجعل لكل واحد منهما نظر ما كان يستحقه بالأرض لو قدر أنه كان وارثا، و كأنهما قدما بين أيديهما جماعة من الصحابة منهم عثمان و ابن عوف و طلحة و الزبير و سعد، و كان قد وقع بينهما خصومة شديدة بسبب اشاعة النظر بينهما، فقالت الصحابة الذين قدموهم بين أيديهما: يا أمير المؤمنين اقض بينهما، أو أرح أحدهما من الآخر. فكأن عمر رضى اللَّه عنه تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث و لو في الصورة الظاهرة محافظة على امتثال
قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لا نورث ما تركنا صدقة»
فامتنع عليهم كلهم و أبى من ذلك أشد الاباء رضى اللَّه عنه و أرضاه. ثم إن عليا و العباس استمرا على ما كان عليه ينظران فيها جميعا الى زمان عثمان بن عفان، فغلبه عليها على و تركها له العباس بإشارة ابنه عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما بين يدي عثمان، كما رواه احمد في مسندة. فاستمرت في أيدي العلويين. و قد تقصيت طرق هذا الحديث و ألفاظه في مسندي الشيخين أبى بكر و عمر رضى اللَّه عنهما، فانى و للَّه الحمد جمعت لكل واحد منهما مجلدا ضخما مما رواه عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و رآه