البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٦ - فصل في ذكر الوقت الّذي توفى فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و مبلغ سنه حال وفاته، و في كيفية غسله (عليه السلام) و الصلاة عليه و دفنه، و موضع قبره (صلوات اللَّه و سلامه عليه)
فقال: حدثني إبراهيم بن يزيد عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس. و حدثني محمد بن عبد اللَّه عن الزهري عن عروة عن عائشة قالا: توفى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. و رواه ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبى بكر بن حزم عن أبيه مثله- و زاد و دفن ليلة الأربعاء. و روى سيف بن عمر عن محمد بن عبيد اللَّه العرزميّ عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: لما قضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حجة الوداع ارتحل فأتى المدينة فأقام بها بقيا ذي الحجة و المحرم و صفرا، و مات يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول. و روى أيضا عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة. و في حديث فاطمة عن عمرة عن عائشة مثله إلا أن ابن عباس قال في أوله لأيام مضين منه و قالت عائشة بعد ما مضى أيام منه.
«فائدة» قال أبو القاسم السهيليّ في الروض ما مضمونه. لا يتصور وقوع وفاته (عليه السلام) يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأول من سنة احدى عشرة و ذلك لأنه (عليه السلام) وقف في حجة الوداع سنة عشر يوم الجمعة فكان أول ذي الحجة يوم الخميس فعلى تقدير أن تحسب الشهور تامة أو ناقصة أو بعضها تام و بعضها ناقص، لا يتصور أن يكون يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأول و قد اشتهر هذا الإيراد على هذا القول. و قد حاول جماعة الجواب عنه و لا يمكن الجواب عنه إلا بمسلك واحد و هو اختلاف المطالع بأن يكون أهل مكة رأوا هلال ذي الحجة ليلة الخميس و أما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة الجمعة و يؤيد هذا قول عائشة و غيرها خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لخمس بقين من ذي القعدة- يعنى من المدينة- الى حجة الوداع و يتعين بما ذكرناه انه خرج يوم السبت و ليس كما زعم ابن حزم انه خرج يوم الخميس لأنه قد بقي أكثر من خمس بلا شك و لا جائز أن يكون خرج يوم الجمعة لأن أنسا قال صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الظهر بالمدينة أربعا و العصر بذي الحليفة ركعتين. فتعين أنه خرج يوم السبت لخمس بقين فعلى هذا انما رأى أهل المدينة هلال ذي الحجة ليلة الجمعة و إذا كان أول ذي الحجة عند أهل المدينة الجمعة و حسبت الشهور بعده كوامل يكون أول ربيع الأول يوم الخميس فيكون ثانى عشره يوم الاثنين و اللَّه أعلم و ثبت في الصحيحين من حديث مالك عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن أنس بن مالك. قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليس بالطويل البائن و لا بالقصير و ليس بالأبيض الأمهق و لا بالآدم و لا بالجعد القطط و لا بالسبط بعثه اللَّه عز و جل على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين و بالمدينة عشر سنين و توفاه اللَّه على رأس ستين سنة و ليس في رأسه و لحيته عشرون شعرة بيضاء. و هكذا رواه ابن وهب عن عروة عن الزهري عن أنس و عن قرة بن ربيعة عن أنس مثل ذلك. قال الحافظ ابن عساكر. حديث قرة عن الزهري غريب و أما من رواية ربيعة عن أنس فرواها عنه جماعة كذلك ثم أسند من طريق سليمان بن بلال