البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٣ - فصل في الآيات و الأحاديث المنذرة بوفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كيف ابتدئ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمرضه الّذي مات فيه
و هو إمام المسلمين باذن الرسول من رب العالمين، و لو فرض أنه كان قد انتدب معهم فقد استثناه الشارع من بينهم بالنص عليه للامامة في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، ثم لما توفى عليه الصلاة و السلام استطلق الصديق من اسامة عمر بن الخطاب فأذن له في المقام عند الصديق و نفذ الصديق جيش اسامة كما سيأتي بيانه و تفصيله في موضعه إن شاء اللَّه.
فصل في الآيات و الأحاديث المنذرة بوفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كيف ابتدئ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمرضه الّذي مات فيه
قال اللَّه تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ و قال تعالى:
وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. و قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ... وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ. و قال تعالى: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. و هذه الآية هي التي تلاها الصديق يوم وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما سمعها الناس كأنهم لم يسمعوها قبل. و قال تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً. قال: عمر بن الخطاب و ابن عباس هو أجل رسول اللَّه نعى اليه. و قال ابن عمر نزلت أوسط أيام التشريق في حجة الوداع فعرف رسول اللَّه أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها و نهاهم، الخطبة المشهورة كما تقدم.
و قال جابر رأيت رسول اللَّه يرمى الجمار فوقف. و قال: «لتأخذوا [١] عنى مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا».
و قال (عليه السلام) لابنته فاطمة كما سيأتي: «إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة و إنه عارضني به العام مرتين و ما أرى ذلك إلا اقتراب أجلى».
و في صحيح البخاري من حديث أبى بكر بن عياش عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة. قال: كان رسول اللَّه يعتكف في كل شهر رمضان عشرة أيام فلما كان من العام الّذي توفى فيه اعتكف عشرين يوما و كان يعرض عليه القرآن في كل رمضان، فلما كان العام الّذي توفى فيه عرض عليه القرآن مرتين. و قال محمد بن إسحاق رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من حجة الوداع في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقيته و المحرم و صفرا و بعث اسامة بن زيد فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بشكواه الّذي قبضه اللَّه فيه الى ما أراده اللَّه من رحمته
[١] تقدم نصه: و قال لنا خذوا عنى إلخ و ليراجع.