البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - فصل
نلبث أن جاءتنا وفاة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فارتاب أصحابى و قالوا لو كان نبيا لم يمت. فقلت: قد مات الأنبياء قبله، و ثبت على إسلامي ثم خرجت أريد المدينة فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه، فقلت له أخبرنى عن أمر أردته نفخ في صدري منه شيء، فقال ائت باسم من الأسماء فأتيته بكعب فقال القه في هذا السفر لسفر أخرجه فألقيت الكعب فيه فصفح فيه فإذا بصفة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما رأيته و إذا هو يموت في الحين الّذي مات فيه، قال فاشتدت بصيرتي في إيماني و قدمت على أبى بكر رضى اللَّه عنه فأعلمته و أقمت عنده، فوجهني الى المقوقس فرجعت، و وجهني أيضا عمر بن الخطاب فقدمت عليه بكتابه، فأتيته و كانت وقعة اليرموك و لم أعلم بها فقال لي: أعلمت أن الروم قتلت العرب و هزمتهم؟ فقلت كلا قال و لم؟ قلت إن اللَّه وعد نبيه أن يظهره على الدين كله و ليس بمخلف الميعاد. قال فان نبيكم قد صدقكم قتلت الروم و اللَّه قتل عاد. قال: ثم سألني عن وجوه أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرته و أهدى الى عمر و إليهم. و كان ممن أهدى اليه عليّ و عبد الرحمن و الزبير- و أحسبه ذكر العباس- قال كعب و كنت شريكا لعمر في البز في الجاهلية، فلما أن فرض الديوان فرض لي في بنى عدي ابن كعب. و هذا أثر غريب و فيه نبأ عجيب و هو صحيح.
فصل
قال محمد بن إسحاق: و لما توفى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ارتدت العرب، و اشرأبت اليهودية و النصرانية و نجم النفاق، و صار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم، حتى جمعهم اللَّه على أبى بكر رضى اللَّه عنه. قال ابن هشام: و حدثني أبو عبيدة و غيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكة لما توفى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هموا بالرجوع عن الإسلام و أرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد رضى اللَّه عنه فتوارى. فقام سهيل بن عمرو رضى اللَّه عنه، فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه، فتراجع الناس و كفوا عما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد. فهذا المقام الّذي أراد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في قوله لعمر بن الخطاب- يعنى حين أشار بقلع ثنيته حين وقع في الأسارى يوم بدر- إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمنه.
قلت: و سيأتي عما قريب إن شاء اللَّه ذكر ما وقع بعد وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الردة في أحياء كثيرة من العرب، و ما كان من أمر مسيلمة بن حبيب المتنبئ باليمامة، و الأسود العنسيّ باليمن، و ما كان من أمر الناس حتى فاءوا و رجعوا الى اللَّه تائبين نازعين عما كانوا عليه في حال ردتهم من السفاهة و الجهل العظيم الّذي استفزهم الشيطان به، حتى نصرهم اللَّه و ثبتهم و ردهم الى دينه الحق على يدي الخليفة الصديق أبى بكر رضى اللَّه عنه و أرضاه، كما سيأتي مبسوطا مبينا مشروحا ان شاء اللَّه