البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤ - ذكر موت عبد اللَّه بن أبىّ قبحه اللَّه
فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة و فرحوا و قالوا أبعد اللَّه المغيرة قتلته الربة، و قالوا لأولئك من شاء منكم فليقترب، فقام المغيرة فقال: و اللَّه يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة و مدر، فاقبلوا عافية اللَّه و اعبدوه، ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها و علا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض، و جعل سادنها يقول:
ليغضبن الأساس فليخسفن بهم، فلما سمع المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها فحفروه حتى أخرجوا ترابها و جمعوا ماءها و بناءها، و بهتت عند ذلك ثقيف، ثم رجعوا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقسم أموالها من يومه و حمدوا اللَّه تعالى على اعتزاز دينه و نصرة رسوله.
قال ابن إسحاق: و كان كتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الّذي كتب لهم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، من محمد النبي رسول اللَّه إلى المؤمنين إن عضاه و ج [١] و صيده لا يعضد من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد و تنزع ثيابه، و إن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا و إن هذا أمر النبي محمد، و كتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد اللَّه فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول اللَّه.
و قد قال الامام احمد حدثنا عبد اللَّه بن الحارث- من أهل مكة مخزومى- حدثني محمد ابن عبد اللَّه بن أنسان- و أثنى عليه خيرا- عن أبيه عن عروة بن الزبير قال: أقبلنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من ليّة [٢] حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في طرف القرن حذوها فاستقبل محبسا ببصره- يعنى واديا- و وقف حتى اتفق الناس كلهم ثم قال «إن صيدوح و عضاهه حرم محرم للَّه»
و ذلك قبل نزوله الطائف و حصاره ثقيفا، و قد رواه أبو داود من حديث محمد بن عبد اللَّه بن إنسان الطائفي و قد ذكره ابن حبان في ثقاته. و قال ابن معين ليس به بأس. تكلم فيه بعضهم و قد ضعف احمد و البخاري و غيرهما هذا الحديث، و صححه الشافعيّ و قال بمقتضاه و اللَّه أعلم.
ذكر موت عبد اللَّه بن أبىّ قبحه اللَّه
قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد. قال: دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على عبد اللَّه بن أبىّ يعوده في مرضه الّذي مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أما و اللَّه إن كنت لأنهاك عن حب يهود»
فقال قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه؟. و قال الواقدي مرض عبد اللَّه بن أبى في ليال بقين من شوال، و مات في ذي القعدة، و كان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول اللَّه يعوده فيها،
فلما كان اليوم الّذي مات فيه دخل عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يجود
[١] و ج: هي أرض الطائف و حرم عضاهه و شجره على غير أهله كتحريم المدينة و مكة حكاه السهيليّ.
[٢] لية: (بتشديد الياء و كسر اللام) من نواحي الطائف.