البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣ - قدوم وفد ثقيف على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في رمضان من سنة تسع
من أمرهم و توجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) معهم أبا سفيان بن حرب و المغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان و قال ادخل أنت على قومك و أقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول و قام قومه بنى معتب دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود قال و خرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها و يقلن:
* لنبكين دفاع، أسلمها الرضاع، لم يحسنوا المصاع [١]* قال ابن إسحاق: و يقول أبو سفيان: و المغيرة يضربها بالفأس و آها لك آها لك، فلما هدمها المغيرة و أخذ مالها و حليها أرسل إلى أبى سفيان فقال إن رسول اللَّه قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود و أخيه الأسود بن مسعود والد قارب بن الأسود دينهما من مال الطاغية يقضى ذلك عنهما.
قلت: كان الأسود قد مات مشركا و لكن أمر رسول اللَّه بذلك تأليفا و إكراما لولده قارب بن الأسود رضى اللَّه عنه. و ذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا، فلما قدموا أنزلهم رسول اللَّه المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا و الزنا و الخمر فحرم عليهم ذلك كله فسألوه عن الربة ما هو صانع بها؟ قال «اهدموها» قالوا هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد يا ليل ما أجهلك، إنما الربة حجر. فقالوا إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، ثم
قالوا يا رسول اللَّه تول أنت هدمها أما نحن فانا لن نهدمها أبدا، فقال «سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها»
فكاتبوه على ذلك و استأذنوه أن يسبقوا رسله اليهم، فلما جاءوا قومهم تلقوهم فسألوهم ما وراءكم فأظهروا الحزن و أنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف يحكم ما يريد و قد دوخ العرب، قد حرم الربا و الزنا و الخمر، و أمر بهدم الربة، فنفرت ثقيف و قالوا لا نطيع لهذا أبدا، قال فتأهبوا للقتال و أعدوا السلاح، فمكثوا على ذلك يومين- أو ثلاثة- ثم ألقى اللَّه في قلوبهم الرعب فرجعوا و أنابوا و قالوا ارجعوا اليه فشارطوه على ذلك و صالحوه عليه قالوا فإنا قد فعلنا ذلك و وجدناه أتقى الناس و أوفاهم و أرحمهم و أصدقهم، و قد بورك لنا و لكم في مسيرنا اليه و فيما قاضيناه فافهموا القضية و أقبلوا عافية اللَّه، قالوا فلم كتمتمونا هذا أولا؟ قالوا أردنا أن ينزع اللَّه من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم و مكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد أمرّ عليهم خالد بن الوليد و فيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات و قد استكفت ثقيف رجالها و نساءها و الصبيان حتى خرج العواتق من الحجال و لا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة و يظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين- يعنى المعول- و قال لأصحابه: و اللَّه لاضحكنكم من ثقيف،
[١] في السهيليّ: إذ كرهوا المصاع، أي أسلمها اللئام حين كرهوا القتال و المصاع الضرب.