البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٤ - فصل
الحج على العمرة فصارت قارنة-: يكفيك طوافك بالبيت و بين الصفا و المروة لحجك و عمرتك. و عند أصحاب الامام احمد أن قول جابر و أصحابه عام في القارنين و المتمتعين. و لهذا نص الامام احمد على أن المتمتع يكفيه طواف واحد عن حجه و عمرته و ان تحلل بينهما تحلل. و هو قول غريب مأخذه ظاهر عموم الحديث و اللَّه أعلم. و قال أصحاب أبى حنيفة في المتمتع كما قال المالكية و الشافعية إنه يجب عليه طوافان و سعيان حتى طردت الحنفية ذلك في القارن و هو من افراد مذهبهم أنه يطوف طوافين و يسعى سعيين و نقلوا ذلك عن على موقوفا. و روى عنه مرفوعا الى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد قدمنا الكلام على ذلك كله عند الطواف و بينا أن أسانيد ذلك ضعيفة مخالفة للأحاديث الصحيحة و اللَّه أعلم.
فصل
ثم رجع (عليه السلام) الى منى بعد ما صلى الظهر بمكة كما دل عليه حديث جابر. و قال: ابن عمر رجع فصلى الظهر بمنى رواهما مسلم كما تقدم قريبا و يمكن الجمع بينهما بوقوع ذلك بمكة و بمنى و اللَّه أعلم و توقف ابن حزم في هذا المقام فلم يجزم فيه بشيء و هو معذور لتعارض النقلين الصحيحين فيه فاللَّه أعلم.
و قال محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت أفاض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع الى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمى الجمرات إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة.
و رواه أبو داود منفردا به. و هذا يدل على أن ذهابه (عليه السلام) الى مكة يوم النحر كان بعد الزوال. و هذا ينافي حديث ابن عمر قطعا و في منافاته لحديث جابر نظر و اللَّه أعلم.
فصل
و قد خطب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في هذا اليوم الشريف خطبة عظيمة تواترت بها الأحاديث و نحن نذكر منها ما يسره اللَّه عز و جل.
قال البخاري باب الخطبة أيام منى. حدثنا على بن عبد اللَّه ثنا يحيى بن سعيد ثنا فضيل بن غزوان ثنا عكرمة عن ابن عباس. أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خطب الناس يوم النحر. فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا يوم حرام قال: فأى بلد هذا؟ قالوا بلد حرام.
قال: فأى شهر هذا؟ قالوا شهر حرام. قال: فإن دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. قال فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: اللَّهمّ هل بلغت اللَّهمّ قد بلغت قال: ابن عباس فو الّذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته- فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. و رواه الترمذي عن الفلاس عن يحيى القطان به.
و قال حسن صحيح.
و قال البخاري أيضا حدثنا عبد اللَّه بن محمد ثنا أبو عامر ثنا قرة عن محمد بن سيرين