البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٠ - فصل
فصل
و قد ذكر ابن إسحاق و غيره قصائد لحسان بن ثابت رضى اللَّه عنه في وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و من أجلّ ذلك و أفصحه و أعظمه، ما رواه عبد الملك بن هشام (رحمه اللَّه) عن أبى زيد الأنصاري أن حسان بن ثابت رضى اللَّه عنه قال يبكى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):
بطيبة رسم للرسول و معهد* * * منير و قد تعفو الرسوم و تمهد [١]
و لا تمتحى الآيات من دار حرمة* * * بها منبر الهادي الّذي كان يصعد
و واضح آيات و باقي معالم* * * و ربع له فيه مصلى و مسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها* * * من اللَّه نور يستضاء و يوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها* * * أتاها البلا فالآى منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول و عهده* * * و قبرا بها و أراه في الترب ملحد
ظللت بها أبكى الرسول فأسعدت* * * عيون و مثلاها من الجن تسعد
يذكرن آلاء الرسول و لا أرى* * * لها محصيا نفسي فنفسي تبلد
مفجعة قد شفها فقد احمد* * * فظلت لآلاء الرسول تعدد
و ما بلغت من كل أمر عشيرة* * * و لكن لنفسي بعد ما قد توجد
أطالت وقوفا تذرف العين جهدها* * * على طلل القبر الّذي فيه احمد
فبوركت يا قبر الرسول و بوركت* * * بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد [٢]
تهيل عليه الترب أيد و أعين* * * عليه- و قد غارت بذلك- أسعد
لقد غيبوا حلما و علما و رحمة* * * عشية علّوه الثرى لا يوسد
و راحوا بحزن ليس فيهم نبيهم* * * و قد وهنت منهم ظهور و أعضد
و يبكون من تبكى السموات يومه* * * و من قد بكته الأرض فالناس أكمد
و هل عدلت يوما رزية هالك* * * رزية يوم مات فيه محمد
تقطع فيه منزل الوحي عنهم* * * و قد كان ذا نور يغور و ينجد
يدل على الرحمن من يقتدى به* * * و ينقذ من هول الخزايا و يرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا* * * معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا
[١] و في رواية ابن هشام: و تهمد.
[٢] في ابن هشام و التيمورية بعده:
و بورك لحد منك ضمن طيباه* * * عليه بناء من صفيح منضد