البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٠ - الواردين إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
الباطن فأمر به (عليه السلام) فحرق. و في رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم و رجعوا اليهم بالأمان و كسرت اللات كما تقدم. و فيها توفى عبد اللَّه بن أبىّ بن سلول رأس المنافقين لعنه اللَّه في أواخرها، و قبله بأشهر توفى معاوية بن معاوية الليثي- أو المزني- و هو الّذي صلى عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك. و فيها حج أبو بكر رضى اللَّه عنه بالناس عن إذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) له في ذلك. و فيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب و لذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود، و ها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري و غيره.
كتاب الوفود
الواردين إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
قال محمد بن إسحاق: لما افتتح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة و فرغ من تبوك و أسلمت ثقيف و بايعت ضربت اليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع و أنها كانت تسمى سنة الوفود، قال ابن إسحاق: و إنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش، لأن قريشا كانوا امام الناس و هاديتهم و أهل البيت و الحرم و صريح ولد إسماعيل بن إبراهيم و قادة العرب لا ينكرون ذلك، و كانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خلافه فلما افتتحت مكة و دانت له قريش و دوخها الإسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لا عداوته فدخلوا في دين اللَّه كما قال عز و جل أفواجا يضربون اليه من كل وجه يقول اللَّه تعالى لنبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً أي فاحمد اللَّه على ما ظهر من دينك وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً، و قد قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال: كانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون اتركوه و قومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم و بدر- أي قومي- بإسلامهم، فلما قدم قال جئتكم و اللَّه من عند النبي حقا، قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، و صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم و ليؤمكم أكثركم قرآنا، و ذكر تمام الحديث و هو في صحيح البخاري.
قلت: و قد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي و البخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قومهم على سنة تسع بل و على فتح مكة. و قد قال اللَّه تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى و تقدم
قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الفتح «لا هجرة و لكن جهاد و نية»
فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على