البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩ - قدوم وفد ثقيف على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في رمضان من سنة تسع
قدوم وفد ثقيف على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في رمضان من سنة تسع
تقدم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية، و قد تقدم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين أسلّم مالك بن عوف النضري أنعم عليه و أعطاه و جعله أميرا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف و يضيق عليهم حتى ألجأهم الى الدخول في الإسلام، و تقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الأحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فأقبل بهم الى المدينة النبويّة بأذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) له في ذلك.
و قال ابن إسحاق: و قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة من تبوك في رمضان، و قدم عليه في ذلك الشهر وفد من ثقيف،
و كان من حديثهم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما انصرف عنهم أتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل الى المدينة فأسلّم و سأله أن يرجع الى قومه بالإسلام. فقال له رسول اللَّه- كما يتحدث قومه- «إنهم قاتلوك»
و عرف رسول اللَّه أن فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم فقال عروة: يا رسول اللَّه أنا أحب اليهم من أبكارهم، و كان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو فقال عروة: يا رسول اللَّه أنا أحب اليهم من أبكارهم، و كان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه الى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على علية له و قد دعاهم الى الإسلام و أظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك، و يزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بنى عتاب يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة ما ترى في دينك [١]؟ قال كرامة أكرمنى اللَّه بها، و شهادة ساقها اللَّه الى فليس فىّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم فدفنوه معهم
فزعموا ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال فيه «إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه»
و هكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة و لكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبى بكر الصديق، و تابعه أبو بكر البيهقي في ذلك و هذا بعيد، و الصحيح أن ذلك قبل حجة أبى بكر كما ذكره ابن إسحاق و اللَّه أعلم.
قال ابن إسحاق: ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب و قد بايعوا و أسلموا، فائتمروا فيما بينهم و ذلك عن رأى عمر و ابن أمية أخي بنى علاج فائتمروا بينهم ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم فأرسلوا عبد يا ليل بن عمرو بن عمير و معه اثنان من الأحلاف و ثلاثة من بنى مالك، و هم الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، و شرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، و عثمان بن أبى العاص، و أوس بن عوف أخو
[١] في دينك و احسبه تصحيف ديتك: و في ابن هشام. ما ترى في دمك.