البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٩ - قصة ثمامة و وفد بنى حنيفة و معهم مسيلمة الكذاب لعنه اللَّه
ابن سعد حدثني سعيد بن أبى سعيد سمع أبا هريرة قال: بعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج اليه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟ قال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم. و ان تنعم تنعم على شاكر، و ان كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة»؟
فقال عندي ما قلت لك ان تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى بعد الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟
فقال عندي ما قلت لك. فقال: «أطلقوا ثمامة»
فانطلق الى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد. فقال: أشهد أن لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ و أن محمدا رسول اللَّه، يا محمد و اللَّه ما كان على وجه الأرض وجه أبغض الى من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه الى، و اللَّه ما كان دين أبغض الى من دينك فأصبح دينك أحب الدين الىّ، و اللَّه ما كان من بلد أبغض الىّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد الى، و إن خيلك أخذتني و أنا أريد العمرة فما ذا ترى؟ فبشره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل أ صبوت؟ قال: لا! و لكن أسلمت مع محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لا و اللَّه لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قد رواه البخاري في موضع آخر و مسلم و أبو داود و النسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به. و في ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر و ذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه و إنما أسر و قدم به في الوثاق فربط بسارية من سواري المسجد ثم في ذكره مع الوفود سنة تسع نظر آخر، و ذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح لأن أهل مكة عيروه بالإسلام و قالوا أ صبوت فتوعدهم بأنه لا يفد اليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة حتى يأذن فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب لم يسلم أهلها بعد و اللَّه أعلم. و لهذا ذكر الحافظ البيهقي قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة و هو أشبه و لكن ذكرناه ها هنا اتباعا للبخاريّ (رحمه اللَّه).
و قال البخاري حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن عبد اللَّه بن أبى حسين ثنا نافع بن جبير عن ابن عباس. قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، و قدم في بشر كثير من قومه فاقبل اليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و معه ثابت بن قيس بن شماس و في يد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه. فقال له: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتها، و لن تعدو أمر اللَّه فيك، و لئن أدبرت ليعقرنك اللَّه، و إني لأراك الّذي رأيت فيه ما أريت، و هذا ثابت يجيبك عنى» ثم انصرف عنه. قال ابن عباس فسألت عن قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنك الّذي رأيت فيه ما أريت، فأخبرني أبو هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فاهمنى شأنهما، فأوحى الىّ في المنام إن أنفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذا بين يخرجان بعدي أحدهما الأسود العنسيّ و الآخر مسيلمة».
ثم قال