البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٥ - كيفية الصلاة عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
ثم يخرجون عنه حتى تصلى عليه الملائكة، ثم يدخل عليه رجال أهل بيته فيصلون عليه، ثم الناس بعدهم فرادى. الحديث بتمامه و في صحته نظر كما قدمنا و اللَّه أعلم. و قال محمد بن إسحاق حدثني الحسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس. قال: لما مات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أدخل الرجال فصلوا عليه بغير امام أرسالا حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم ادخل الصبيان فصلوا عليه، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا، لم يأمهم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحد.
و قال الواقدي حدثني أبى بن عياش بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده. قال: لما أدرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أكفانه وضع على سريره، ثم وضع على شفير حفرته، ثم كان الناس يدخلون عليه رفقاء رفقاء لا يؤمهم عليه أحد. قال الواقدي حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم قال وجدت كتابا بخط أبى فيه انه لما كفن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و وضع على سريره، دخل أبو بكر و عمر رضى اللَّه عنهما و معهما نفر من المهاجرين و الأنصار بقدر ما يسع البيت. فقالا: السلام عليك أيها النبي و رحمة اللَّه و بركاته، و سلّم المهاجرون و الأنصار كما سلّم أبو بكر و عمر ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد. فقال أبو بكر و عمر- و هما في الصف الأول حيال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- اللَّهمّ إنا نشهد أنه قد بلغ ما انزل اليه، و نصح لأمته، و جاهد في سبيل اللَّه حتى أعز اللَّه دينه و تمت كلمته، و أومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الّذي انزل معه، و أجمع بيننا و بينه حتى تعرفه بنا و تعرفنا به فإنه كان بالمؤمنين رءوفا رحيما، لا نبتغى بالايمان به بديلا و لا نشتري به ثمنا أبدا، فيقول الناس: آمين آمين و يخرجون و يدخل آخرون حتى صلّى الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان. و قد قيل إنهم صلوا عليه من بعد الزوال يوم الاثنين الى مثله من يوم الثلاثاء، و قيل إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه كما سيأتي بيان ذلك قريبا و اللَّه أعلم.
و هذا الصنيع، و هو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه أمر مجمع عليه لا خلاف فيه، و قد اختلف في تعليله. فلو صح الحديث الّذي أوردناه عن ابن مسعود لكان نصا في ذلك و يكون من باب التعبد الّذي يعسر تعقل [١] معناه. و ليس لأحد أن يقول لأنه لم يكن لهم امام لأنا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه (عليه السلام) بعد تمام بيعة أبى بكر رضى اللَّه عنه و أرضاه، و قد قال بعض العلماء إنما لم يؤمهم أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه اليه، و لتكرّر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة من كل فرد فرد من آحاد الصحابة رجالهم و نساءهم و صبيانهم حتى العبيد و الإماء.
و أما السهيليّ فقال ما حاصله: إن اللَّه قد أخبر أنه و ملائكته يصلون عليه، و أمر كل واحد من المؤمنين أن يباشر الصلاة عليه منه اليه، و الصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل، قال و أيضا: فان
[١] كذا في الأصل. و في التيمورية: الّذي نعقل معناه.